حتى نقترب من التعقيد المخيف في أدغال غابة المخ علينا ملاحظة لوحة الفيديو الداخلي، فإذا كانت لوحة الفيديو فيها مئة نقطة فالدماغ فيه ما لا يقل عن مئة مليار خلية عصبية. ومعنى هذا أن عمل الجسم يقوم على شبكات لانهائية إذا أخذنا في عين الاعتبار أن كل «نورون» عصبي هو كوكب دري في سماء الدماغ، وهي ليست مجرات تتباعد عن بعضها بعضاً كما في النظام الفلكي، بل خلايا عصبية تتصل فيما بينها بمحاور على نحو مذهل. وكل خلية عصبية عندها ما لا يقل عن ألف ارتباط، وبعض خلايا المخيخ مثل خلايا «بوركنج» عندها 200 ألف ارتباط. وحتى الآن نحن على السطح التشريحي ولم ندخل الدغل المخي تماماً، ومما كشف عنه أن الوعي شيء قشري سطحي مقابل اللاوعي أو العقل الباطن الذي يتحكم فينا بآليات غير مفهومة ولا تخضع للمنطق. ومما عرف أن الوعي واللاوعي أو العقل الباطن لا يشتغلان معاً، وهما يشبهان المتغيرين في معادلة رياضية واحدة وهي عند الرياضيين معادلة غير قابلة للحل. وهذا يعني أن الإنسان يشكل معادلة غير قابلة للحل عملياً. وتذهب مدرسة «أريكسون ملتون» في محاولة لاكتشاف علاقة اللغة بالعقل الباطن. فاللغة العليا تكلم الوعي المباشر أما اللغة الرمزية فتتسلل إلى العقل الباطن فتكون أبلغ في التأثير. ومنه نفهم معنى ما قاله علماء البلاغة من أن المجاز أفضل من الحقيقة أحياناً، وأن الكناية أبلغ في الإفصاح، وأن الاستعارة أقرب من التصريح. وهدف قصص «ألف ليلة وليلة» كان محاولة لمداواة مريض نفسي محطم مغرم بالقتل هو الملك شهريار من خلال القصة التي تنفذ إلى اللاوعي مباشرة، فتعالجه على نحو غير مباشر. والهندسة النفسية تحاول فك هذا اللغز الإنساني لفهم جدليته المحيرة. وقديماً حاول الإمام الغزالي فهم مراتب الوجود، فقال إن الحقيقة تمر من خلال مستويات تضعف فيها المرة بعد الأخرى، كما يمر الضوء عبر أوساط شفافة مختلفة فيتعرض للانكسار في كل وسط يتخلله. فبين الحقيقة الخارجية وكتابتها مراحل من «الفلترة المشوشة» قبل أن تصل إلى مرحلة النطق اللغوي وتختم باللغة المكتوبة في النهاية. ومن هنا، فإن طبيعة الاتصالات بين الكتابة والنطق أو المقابلة الشخصية قد تدخل الخلل إلى صحة المعلومات على نحو مأساوي. بسبب أن الكلمة ناشفة بريئة ولكن النطق قد يحمل لحن القول! والرؤية تحمل قسمات الوجه وما تخفي السريرة. فهنا تدخل على الخط لغة جديدة هي «اللغة السيميائية». وقد قام فريق بحساب مقدار وصول المعلومة أي المردود الاقتصادي الفعلي للحقيقة المشوهة من خلال الكلمة المكتوبة أو النطق أو المقابلة المباشرة، فكان على الترتيب 7% ثم 38% ثم 55%، ويعني هذا أن المعلومة مع كل المحاولات لا تفرغ عصبياً بشكل كامل، وربما سيحدث في المستقبل، إن استطعنا أن نفعل هذا كهربياً بتفريغ كامل شحنة الأفكار والتصورات من دماغ إلى آخر أو من الكمبيوتر إلى الدماغ وبالعكس. مع ملاحظة أن ما يستقبله الدماغ هو قسم ضئيل من الحقيقة لأنه يتغذى بالحواس الثلاث الأساسية ويرمز لها VAK من أصل ست حواس، وهي مختصر للرؤية والسمع والحركةVisual, Auditory, Kenthetic. وهي محدودة بشق بسيط من كون حافل بالموجات. والخلاصة التي نصل إليها ثلاثة أمور: أولاً، أن كل من يدعي فك أسرار الإنسان نهائياً هو إما غافل أو مدعٍ. ثانياً، أن الإنسان يشبه المحيط يتم اكتشاف بعض الجزر فيه من حين لآخر، وهي تنفع في الرسو ومتابعة اكتشاف هذا المحيط الذي لا يكف عن الاتساع. ثالثاً، أن من يدعي فهم كامل الإنسان من أجل السيطرة على تصرفاته واهمٌ. حيث تتكسر كل نظرية عند عتبة قدمي الإنسان. وهذا بكلمة أخرى يعني أن الإنسان مجهول ومعلوم بنفس الوقت في زاوية تزداد اتساعاً ومع كل جواب تقفز من جديد مجموعة أسئلة. وهناك من يدعي هندسة نفسية يمكن بواسطتها التحكم في الإنسان! ونحن نعرف من تاريخ العلم أن علم نفس «الفرينولوجيا» تحمس له العلماء كثيراً، ولم يكن يتطلب أكثر من تمرير اليد على الجمجمة وتعرجاتها للحكم على ملكات الإنسان وطبيعة كيميائه ومزاجه. ثم ظهر أنها لا تزيد على دجل.