مثلت التطورات الأخيرة في اليمن منعطفاً خطيراً في الأزمة الراهنة للدولة العربية التي باتت تواجه تحدي البقاء، بدءاً من الصومال في تسعينيات القرن الماضي إلى العراق في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003، إلى السودان مع انفصال جنوبه في 2006 إلى سوريا التي تعرضت دولتها لتهديد حقيقي منذ بدء ربيعها في 2011، إلى ليبيا التي غابت الدولة فيها منذ سقوط حكم القذافي وأخيراً اليمن الذي نصح قادته قواته المسلحة وقوات الأمن فيه بأن يعاملوا المتمردين كـ«أصدقاء»، فهل تأتي البقية؟ في كل الحالات السابقة كان تآكل الدولة واضحاً فعجزت عن مواجهة التحدي على رغم امتداد المدة الزمنية التي تبلور فيها، فلم يكن تقدم الحوثيين على النحو الذي شهدناه في الأيام الأخيرة يمثل مفاجأة إذ بدت مؤشراته منذ سنوات، ولكن المفاجأة تمثلت في سرعة سقوط صنعاء وهو ما يعني أن التآكل قد بلغ مداه، فقد شجعهم الرئيس السابق علي عبدالله صالح في تسعينيات القرن الماضي، لموازنة تصاعد قوى تيار الإسلام السياسي المتمثل في حزب «الإصلاح»، فإذا به يعجز عن احتوائهم بعد أن تمردوا عليه وهي قصة قديمة ولعبة خطيرة كررها حكام عديدون قبله. استفاد الحوثيون في زيادة قوتهم ونفوذهم من الأوضاع اليمنية المتدهورة في عهد ذلك الرئيس، من استبداد وفقر وفساد التي كانت أكبر معين لهم في توسيع قاعدة مؤيديهم، وربما كان آخر تجليات ذلك هو المزايدة على قرار زيادة أسعار الوقود لكسب مزيد من التأييد الشعبي. غير أن زيادة القوة والنفوذ لها بُعدها الآخر الذي لا يمكن فهمه إلا في إطار استراتيجية إيران الإقليمية التي تهدف إلى مد النفوذ الإيراني بأقصى ما يمكن في الوطن العربي، فبعد سوريا ولبنان والعراق يأتي اليمن، والحديث عن دعم إيران للحوثيين لا تعوزه الأدلة، فقد نشأت الحركة الحوثية على يد بدر الدين الحوثي الذي أقام في إيران في سنوات 1994-1997، ومكث ابنه حسين الذي تولى قيادة الحركة من بعده في قُم عدة أشهر. وزار «حزب الله» في لبنان وأبدى إعجابه الشديد بتجربته وعبر عن فخره بوحدة المنبت الأيديولوجي لكل من «حزب الله» وحركة الحوثيين، فضلاً عن عثور السلطات اليمنية أيام المواجهة مع الحركة على أسلحة إيرانية في مخابئها والدعم الإعلامي الإيراني لها وتدريس الثورة الإيرانية ضمن الدورات التدريبية والمراكز التعليمية لـ«اتحاد الشباب المؤمن»، وهو الذراع الشبابية للحركة وتطابق شعاراتها مع الشعارات الإيرانية وشعارات «حزب الله»: الموت لأميركا.. الموت لإسرائيل.. اللعنة على اليهود والنصر للإسلام. بعد انشقاق الحوثيين على نظام علي عبدالله صالح بدأ اللجوء إلى السلاح اعتباراً من 2004 وحتى تفجر الثورة اليمنية في 2011، وجرت على الأقل ست جولات عسكرية قُتل قائد الحركة آنذاك حسين الحوثي في أولاها وخلفه أخوه الأصغر عبدالملك. وتراوحت هذه الجولات من حيث أمدها الزمني وشدة العنف فيها، ولم تصمد فيها محاولات الحل السياسي، وتضمنت غير مرة سيطرة الحوثيين على عدة مدن يمنية، ولذلك فإن السيطرة على صنعاء ليست شيئاً جديداً في طبيعته، غير أن الجديد فيها أن صنعاء هي العاصمة التي تضم المؤسسات السياسية ورموز الحكم في الدولة اليمنية. وقد كبدت تلك الجولات الاقتصاد اليمني خسائر تقدر بمليارات الدولارات. ومع الثورة الشعبية اليمنية تغير التكتيك الحوثي فأيدوا الثورة وانضموا إليها وإن لوحظ حرصهم على الاستقلال التنظيمي عنها، وكيف لا والأصل في الحوثية أنها تناصر عودة نظام الإمامة إلى اليمن الذي انقضت عليه ثورة سبتمبر منذ اثنتين وخمسين سنة بالتمام والكمال. وبعد السيطرة الحوثية على صنعاء هرع ممثل الأمم المتحدة في اليمن إليها، وتم بسرعة لافتة التوصل إلى «اتفاق السلم والشراكة الوطنية» في 21 سبتمبر، ولا تكفي المساحة المتاحة لهذا المقال للحديث التفصيلي عن محتوياته، ولكن اللافت أنه على رغم ما يبدو عليه من محاولة للتوازن بين المكونات السياسية في الساحة اليمنية إلا أنه يعكس بوضوح ميزان القوى الجديد. وليس أدل على هذا من أن أول بنود الاتفاق وأكثرها أهمية هو البند الأول الذي ينص على تشكيل حكومة كفاءات في مدة أقصاها شهر، ويستند تشكيل هذه الحكومة إلى شراكة وطنية تضمن «مشاركة واسعة للمكونات السياسية». ولكن البند الثاني يسارع إلى النص على أن يعين رئيس الجمهورية «مستشارين سياسيين من أنصار الله والحراك الجنوبي السلمي» تحديداً، وهذان المستشاران السياسيان هما اللذان سيضعان للرئيس «معايير المرشحين للمناصب في الحكومة الجديدة»، ويرفعان «توصيات إلى كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة حول توزيع مقاعد الحكومة على المكونات السياسية»، ويستعين بهما رئيس الجمهورية كذلك في الفصل في الطعون المقدمة على ترشيحات الوزراء. أي أن «أنصار الله» و«الحراك الجنوبي السلمي» اللذين كانت لهما معاً حوالي خمسة مقاعد بمؤتمر الحوار اليمني (21%) أصبحا تقريباً صاحبيْ «فيتو» على تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة! ومن المعروف أن «أنصار الله» كانوا يغازلون «الحراك الجنوبي» ويعززون مطالبه. ويضاف إلى ذلك ما هو أخطر وهو أن «أنصار الله» قد رفضوا التوقيع على الملحق الأمني للاتفاق الذي ينص على نزع سلاح كافة الأطراف واستعادة أسلحة الدولة المنهوبة، وكذلك وقف إطلاق النار فوراً في صنعاء ومحيطها والجوف ومأرب وانسحاب جميع المجموعات المسلحة. ويعني رفض التوقيع هذا أن الكلمة العليا ستبقى للسلاح وهو الآن بيد «أنصار الله» بعد أن انسحب الجيش والقوات الأمنية من القتال. يقف اليمن إذن على أعتاب مرحلة قاتمة قد تكون هي الأسوأ في تاريخه، فـ«أنصار الله» لهم خصومهم الأقوياء الذين ربما تكون المفاجأة قد ألجمتهم، ولكن التحليل الموضوعي يفضي إلى أنهم لا يمكن أن يسلموا بهذا الوضع الذي قفز فيه «أنصار الله» إلى قمة المشهد السياسي، وهؤلاء الخصوم موجودون في أنصار الثورة وحزب «الإصلاح» وقواعده القبلية وشوافع اليمن أي سُنته بصفة عامة، بل وربما داخل الجيش الذي يستحيل على المرء أن يتصور أنه «جيش حوثي»، ومن ثم فإن حرباً أهلية، هي آخر ما يحتاجه اليمن، قد تكون في الطريق لا قدر الله، وستكون هذه الحرب إذا سمح لها بأن تقع أنسب مناخ لتفتيت اليمن على نحو قد لا يتوقعه أحد، وما تاريخ جنوب اليمن قبل الاستقلال ببعيد، ولذلك فإن اليمن لا ينقصه مزيد من النفوذ الإيراني أو الأميركي تسوغه التطورات الأخيرة، فيا كل اليمنيين من أصحاب القدرة على التأثير في مستقبل بلدكم: رفقاً بوطنكم.