انتفاضة سُنية ضد «داعش».. والمسلمون الفرنسيون ضد الإرهاب موقف المسلمين الفرنسيين الرافض للإرهاب، وضرورة الانخراط الإقليمي والدولي في الحرب على «داعش»، وتغير جديد في الموقف التركي من التنظيم، ثلاثة موضوعات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. «ليس باسمنا» اهتمت صحيفة لوموند بحملة يقودها نشطاء الشباب الفرنسي المسلم للتنديد بإرهاب تنظيم «داعش» والجرائم التي يقترفها في العراق وسوريا، وتقترفها بعض الجماعات الإرهابية الأخرى المتحالفة معه، مثلما وقع هذا الأسبوع في الجزائر بقتل المواطن الفرنسي هرفيه غوردل على يد منظمة إرهابية. وتندرج الحملة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة التويتر ضمن حملة أوسع تحت شعار الهاشتاغ «ليس باسمي» #Not in my nameلبيان براءة الإسلام والمسلمين من تنظيم «داعش» وممارساته الإرهابية الدموية. وكانت بداية الحملة قد انطلقت من بريطانيا في 10 سبتمبر الجاري، وحققت نجاحاً منقطع النظير، واستقطبت اهتمام أعداد هائلة من الشباب الرافض للعنف والتطرف والإرهاب. ولكن بعد القتل الفظيع للمواطن الفرنسي «غوردل» على يد إرهابيي منظمة ذات صلة بتنظيم «داعش» في الجزائر، استنفرت بعض قطاعات الإعلام اليميني الفرنسي لتعبئة الرأي العام بأسئلة قد يساء فهمها، مثل استطلاع نشرته صحيفة لوفيغارو سؤالاً محدداً: «بعد مقتل هيرفيه غوردل.. هل تعتقدون أن إدانة مسلمي فرنسا تكفي وحدها؟». وفي مواجهة الاحتقان والشحن اللذين أعقبا مقتل «غوردل» خرج مسلمو فرنسا في تظاهرات تنديد بهذه الجريمة الجبانة وأدان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية» تلك الفعلة بأقوى العبارات، كما قرر كثير من الشباب المسلم الانخراط أيضاً بقوة في حملة لتبرئة ساحة الدين الحنيف أمام الرأي العام من ممارسات الجماعات الإرهابية، لأنها لا تمثل قيمه وروحه وتعاليمه المنفتحة المتسامحة، وكذلك مواقف الدول المسلمة والعلماء ذوي الرأي والفهم السليم للدين، الذين أدانوا جميعاً أعمال وجرائم «داعش» وكشفوا مفارقتها للدين. ومع هذا لم يركز بعض الإعلام الغربي على ذلك، ولم يعطه التغطية الكافية، بحسب ما ورد في صحيفة لوموند. وقبل هذا وذاك كان مسلمو فرنسا قد أطلقوا في 9 سبتمبر الجاري «نداء باريس» الذي وقع عليه معظم المسؤولين المسلمين الكبار تعبيراً عن التضامن مع مسيحيي الشرق، وفي ذات الوقت نشر نداء مسلمي فرنسا في الصحافة يوم 25 سبتمبر للتعبير عن مدى الإدانة والتأثر بسبب مقتل المواطن الفرنسي «غوردل» في الجزائر. وموقف المسلمين واضح وقد عبرت عنه أيضاً التظاهرات الرافضة للإرهاب التي أشرف عليها مسجد باريس قبل يومين، في 26 سبتمبر، وقد جاء كذلك التفاعل مع حملة «ليس باسمي» في فرنسا لتأكيد الرفض والنبذ الواسع من قبل المسلمين الفرنسيين لكل ما له علاقة بالعنف والإرهاب، وهذا موقف واضح، ولا يحتاج إلى زيادة تأكيد. وفي سياق متصل كتب ناظم غورسل وهو باحث تركي في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا مقالاً في لوموند فند فيه من منظور ديني كافة دعاوى «داعش» وممارساتها المخالفة للدين بالضرورة. وقال الكاتب إن من يقتلون اليوم الآمنين ويخطفون الأبرياء إنما يفعلون ذلك استناداً إلى فهمهم المنحرف وتأويلاتهم الزائفة المفارقة للنصوص الدينية، والبعيدة كل البعد عن الإسلام. وأورد في هذا السياق ترجمة لمعاني العديد من النصوص الدينية التي تثبت خروج ممارسات «داعش» وغيرها من الجماعات المنحرفة المتطرفة عن الإسلام، وعدم تمثيلها لروحه السلمية السمحة، بكل المقاييس. وفي افتتاحية أخرى بصحيفة ليبراسيون تحدث الكاتب لوران جوفرين عن مأساة المواطن الفرنسي «هيرفيه غوردل» الذي قتل في الجزائر على أيدي المتعصبين المتطرفين، واستهدف ضمن حرب لا علاقة له بها، كما أن ذبحه لن يثني فرنسا أيضاً عن الوفاء بالتزامها ضمن القوى التي تواجه المجرمين والمتعصبين اليوم في العراق وسوريا، لأن التحدي الذي يمثلونه لابد من رفعه، والضرر الذي يلحقونه بالإنسانية والتعايش والسلام لابد أيضاً من دفعه. إن فرنسا لا يمكن أن تقف موقف المتفرج على مأساة العالم. طبعاً لا، يقول الكاتب. إننا لا يمكن أن ندرأ المخاطر بتجاهل الوقائع، ولا يمكن أيضاً لدولة ديمقراطية أن تسمح للأعداء والمجرمين بالتأثير عليها وابتزازها. حرب ضرورة في مقاله الافتتاحي بصحيفة لوفيغارو حلل الكاتب بيير روسلين بعض خلفيات الحرب الدولية ضد تنظيم «داعش»، وقد جاء العنوان: «داعش ثمرة للحرب الشيعية السنية»، موحياً بنية الكاتب العودة مع الزمن سنوات إلى الخلف، لكي يستدعي بعض نتائج الانسحاب الأميركي من العراق في عهد الرئيس أوباما، وما تكشفت عنه سنوات الاحتلال قبل ذلك في عهد الرئيس السابق بوش. وفي هذا السياق قال روسلين ابتداءً إن أوباما بذل كل جهد ممكن لتجنب العودة إلى العراق أو الانخراط في أي التزام جديد في المنطقة. ولكن رغبة الرئيس الأميركي في التخفيف من أعباء التزامات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تعتبر هي أيضاً أحد الأسباب الأساسية وراء المأساة التي تدعوه الآن للتصرف على رغم إرادته. ومثل سابقيه في البيت الأبيض لا يستطيع أوباما الإفلات من هذه المهمة، فمهما تكن سياسته فإن أميركا محكوم عليها اليوم بخوض حرب جديدة في العالم العربي. وفي الحقيقة إذا كانت هنالك منظمة إرهابية في العالم تستحق أن تسحق تحت القنابل فهي بكل تأكيد تنظيم «داعش». ففظاعة جرائم هذا التنظيم، والمجازر الجماعية التي يقترفها، والدعوات للعنف والذبح والقتل التي يطلقها، كلها تجعل استهدافه واجباً أخلاقياً على الجميع. والخطر لا يمكن الاستهانة به، بطبيعة الحال. فـ«داعش» بتنظيمه وإمكاناته العسكرية والمالية، وقدرته على احتلال أراضٍ واسعة وجذب آلاف المجندين الأجانب، كل هذا يجعله تهديداً داهماً على الجميع. وبمقارنة خطورة «داعش» مع تنظيم «القاعدة» فإن هذا الأخير يبدو مجرد عصابة من «الهواة» في مجال الإرهاب! واعتبر روسلين أن هذه اللحظة بالذات هي التي ينبغي الرد فيها على تهديد «داعش» لأن أي تراخٍ أو تباطؤ وتواكل دولي سيفتح المجال لظهور «دواعش» أخرى في المغرب العربي وأفريقيا وآسيا، وسيقوي احتمال حصول هجمات إرهابية في أوروبا وأميركا. وليس أمام أوباما إلا خوض هذه المعركة بكل قوة ممكنة، لأنه تأخر أصلاً كثيراً. فلو كان دعم المعارضة السورية المعتدلة عند بداية الصراع لما وجد نفسه اليوم في مواجهة هذه الحالة المعقدة التي لا يمتلك ترف الانتظار فيها، أو غض النظر عن تفاقم التهديد. وفي الأخير قال الكاتب إن ثمة حاجة ماسة لانتفاضة سُنية في العراق وسوريا ضد «داعش»، خاصة أن الدول السنية الأبرز في المنطقة قد دخلت المواجهة بقوة ضد التنظيم الإرهابي، لأن «داعش» يمثل خطراً على كافة شعوب المنطقة، بقدر ما هو خطر على الإسلام السني في العالم أجمع. موقف تركيا نشرت لوموند أول من أمس الجمعة افتتاحية بعنوان: «توضيح مرحب به من قبل أنقرة» قالت فيها إن تركيا قررت بعد تردد طويل قطع خطوة إلى الأمام في اتجاه دعم التحالف الدولي المناهض لتنظيم «داعش» الإرهابي، حيث قال الرئيس أردوغان يوم 23 سبتمبر الجاري خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، إنه قد قرر الوقوف مع التحالف الدولي، ودعمه «عسكرياً وسياسياً، وبكل شيء». وهذا التحول في الموقف التركي سهله الإفراج في 20 سبتمبر عن 46 مواطناً تركياً، أخذهم تنظيم «داعش» رهائن منذ شهر يوليو الماضي بمدينة الموصل العراقية. وهذا التغير في موقف أنقرة من شأنه أن يخفف من انتقادات الحلفاء الأطلسيين لها، حيث يرون أن موقفها يكتنفه بعض الغموض وجرعة من عدم اليقين. وفي السياق ذاته انتقد أيضاً الكاتب إيفان ريوفول في صحيفة لوفيغارو بقوة موقف أنقرة غير المتحمس في البداية للوقوف مع الحلفاء الأطلسيين في مواجهة تنظيم إرهابي يتهدد المجتمع الدولي كله، كما استدعى أيضاً بعض الانتقادات الحادة التي ساقها في الصحيفة نفسها ثلاثة كُتاب هم فابيان بوسار، وألكسندر دل فال، ورندة كاسيس، وصفوا موقف أردوغان بأنه يصعب فهمه وتصنيفه، وهذه هي النبرة السائدة الآن عموماً في أوروبا لأن تركيا تقع مباشرة على خط المواجهة مع تنظيم «داعش» الدموي، وكان يتعين أن تكون أول الذاهبين لخوض هذه المعركة المصيرية. إعداد: حسن ولد المختار