من درس عن قرب ظاهرة إدمان المخدرات يجد أن أحد أهم المسببات لها هم الأصحاب أو جماعة الرفاق كما تسمى في علم النفس، كما أن المدمن على المخدرات لم يبدأ حياته في عالم الإدمان بتعاطيها حيث بينت الدراسات أن جل المدمنين بدؤوا بتدخين السيجارة ثم تدرجوا منها إلى تدخين الحشيش وشرب الخمر، فتناول حبوب الهلوسة ثم المخدرات. القوانين في دولة الإمارات كذلك متدرجة في التعامل مع هذه الظاهرة، ويغلب عليها مساعدة المدمن في العودة لحياته السوية، فمن ضُبط متعاطٍ للمخدرات عقوبته أخف ممن يتاجر فيها. وفي السجن هناك إعادة تأهيل لمن حكم عليهم بالحبس، لكن من سلم نفسه للجهات المختصة أو تم تبليغ الجهات من قبل ولي أمره، فإنه لا يُحال إلى القضاء، ولا تصدر عليه أحكام بالسجن، بل يدخل إلى مركز تأهيل المدمنين، حيث تمر عملية إعادة التأهيل بمرحلتين أساسيتين هما: تخليص الجسم من سموم المخدرات، ثم العلاج السلوكي النفسي للمدمن كي لايرجع مرة أخرى لهذا العالم. المشكلة بعد ذلك تتلخص في أمرين يسهمان في عودة المدمن إلى عالم المخدرات، تأخر حصوله على ورقة السماح له بالعمل مما يجعله في فراغ يومي، الثانية رفض المجتمع والأهل له وترحيب شلة الرفاق به للعودة من جديد إلى ما كان عليه من قبل. قد يسأل البعض ما علاقة إدمان المخدرات بالتطرف الديني؟ من تأمل في الظاهرتين يجد تقارباً واضحاً بينهما، فكلاهما تكون شلة الرفاق هي المحضن الأول في التطرف والإدمان، ولكل جماعة كبيرٌ يعلمهم، وهي جماعات لها طقوسها التي تكون بعيدة عن نظر المجتمع. وكما أن المدمن بعد فترة يتحول إلى مروج كذلك المتطرف يدعو غيره، والجماعتان تمثلان معول هدم للمجتمع، وأوجه التقارب بينهما كثيرة، لكن برنامج العلاج مختلف. تجارب الدول العربية في التعامل مع المتطرفين فشلت في التعاطي مع هذه الظاهرة مما أدى إلى تفاقمها، فقد كان الحل الأمني هو الوحيد المطروح في الساحة، ولأننا في دولة الإمارات أصبحنا مدرسة للإبداع العربي في جوانب الحياة المختلفة، فقد آن لنا أن نخطو نحو تجربة جديدة للتعامل مع ظاهرة التطرف الديني، التي لم نكن نتصور أن أحداً من أبناء الإمارات بالإمكان أن ينخرط فيها، لكننا جميعاً عرفنا مؤخراً أن جل الجماعات الدينية لها أنصار من أبناء الإمارات، فهناك أعضاء في جماعة «الإخوان» و«السلفية الجهادية» و«القاعدة» وغيرها من حركات التطرف الديني، منهم من تمت محاكمته وإدانته ومنهم من تورط في هذا العالم، ولا يعرف كيف يخرج منه، لذلك أصبح لزاماً علينا أن ننشئ مراكز لمعالجة التطرف الديني على غرار مراكز معالجة الإدمان. كي أقرب لكم الصورة أسوق لكم هذا المثل، لو اكتشفت أسرة أن أحد أبنائها بدت عليه مظاهر إدمان التطرف الديني وأرادت أن تسلمه إلى جهة مختصة لانتشاله من هذا العالم ماذا تفعل؟ لو أن أحد الشباب في فترة مراهقته انخرط في عالم التطرف، ولما عقل تبين له خطره، أين يذهب للتخلص من هذا الإدمان؟ وهل لدينا علاج غير أمني لأمثال هؤلاء كي ننتشلهم من عالم التطرف إلى الوسطية التي يتميز بها الإسلام؟ الحل الأمني مهم لمن قرر الاستمرار في إدمانه للتطرف الفكري، لكن مراكز التأهيل أصبحت ضرورية كي ننقذ المجتمع من شر التطرف الديني.