يوم الثلاثاء 23 سبتمبر بدأ الأميركيون وحلفاؤهم العرب بتوجيه ضربات جوية إلى مراكز داعش والنصرة في سوريا. وشمل القصف أماكن وتجمعات في الرقة ودير الزور وإدلب وعلى الحدود السورية العراقية. ويختلف المراقبون في أسباب تسريع الضربات. فقد كان المقدَّر ألا تبدأ قبل شهر نوفمبر القادم. ويعتقد البعض أنّ الإسراع سببه تقدم «داعش» باتجاه المثلَّث الكردي في سوريا على مقربة من الحدود التركية. وقد فر عشرات آلاف الأكراد من قراهم، واندفعوا باتجاه الحدود التركية. ويبلغ عدد اللاجئين الأكراد إلى تركيا حتى الآن حوالي 150 ألفاً، ويتوقع مسؤولون دوليون أن يبلغ العدد 400 ألف خلال شهر أو شهرين. اختلف سلوك تركيا عن سلوك إيران اختلافاً شاسعاً خلال الأشهر الثلاثة الماضية. فالإيرانيون استماتوا من أجل إقرار الولايات المتحدة لهم بالمشاركة في ضرب «داعش» بالعراق. ورجوا من وراء المشاركة بلوغ عدة أهداف: قيادة المليشيات العراقية الشيعية التي أسهموا في تشكيلها، وأن تصبح لهم كلمة في شكل التدخل اللاحق في سوريا، وأن يظهروا بمظهر من لم يكن لهم هم غير مكافحة الإرهاب فلا يُطالَبون بالخروج من سوريا الآن، ولا يعترض أحد على جرف بلدة عرسال في شرق لبنان باعتبارها ملاذاً للإرهاب. أما الأتراك الذين عرفوا مسبقاً باندفاعة «داعش» نحو الموصل، فقد ترددوا في التعهد للأميركيين في مؤتمر جُدّة بأي شيء. وكانت حجتهم أنّ «داعش» تحتجز عشرات الأتراك بالقنصلية التركية بالموصل. لكن المحتجزين جرى إطلاق سراحهم، ومع ذلك استمر الأتراك في التردد. ثم قدّموا مبادرتين: اقتراح إقامة منطقة عازلة بشمال سوريا لإيواء اللاجئين، وفرض حظر جوي. وقالوا أخيراً إنهم سيساعدون الغارات الجوية من الناحية اللوجستية! ومن الخبراء مَنْ يقول إن تردد أردوغان سببُهُ عدمُ رغبته في العودة إلى الحرب على الأكراد أو لصالحهم، وأنه لا يريد التعاوُنَ مع العرب الذين يتخاصمون معه بسبب دعمه لـ«الإخوان»، ولأنه ليس واثقاً بعد أن الأميركيين سيقبلون بسقوط النظام السوري. ويتشاور الأميركيون مع الإيرانيين على حَذَرٍ في العراق بسبب تجربتهم السلبية السابقة معهم وليس في العراق فقط، بل في كل مكان. وهم لا يريدون الربط بين مكافحة الإرهاب والملف النووي لأنهم يخشون نتائج المبادلة. ثم لأن الإيرانيين ومليشياتهم يقاتلون مع نظام بشار الأسد. ولأنهم أخيراً لا يريدون تنفير السعوديين الذين يعتبرون أن إيران تعتدي على العرب في كل مكان. ولأن التدخل المذهبي الإيراني شكّل أحد أسباب ثوران الأُصوليات السنية. وقد زادت شكوك الطرفين، الأميركي والسعودي، من الاندفاعة الحوثية الإيرانية الأخيرة باتجاه صنعاء. وقال دبلوماسيٌّ أميركي سمع تصريح الرئيس الإيراني روحاني عن التحسن المُطَّرد في العلاقات الإيرانية السعودية: هذا التحسن هو مثل التحسُّن في العلاقات بين روحاني والحرس الثوري! وإيران واثقة أنها تستطيع عاجلاً أو آجلاً العودة بالعراق إلى سابق عهده أيام المالكي. لذلك فهي تصبر وتأمُلُ وتعمل. لكن زوال بشار الأسد بالسقوط أو بالدخول في المرحلة الانتقالية سيُخرجُها من سوريا نهائياً، ويهدّد نفوذَها في لبنان. ولذلك اعترضت هي وروسيا ونصرالله على الضربات الأميركية في سوريا. وليس من الواضح حتى الآن، كيف ستجري المبادلة أو الصفقة بين أميركا وإيران بشأن سوريا. إذ لا مجالَ بالفعل لوقف التغيير واستمرار الخراب في سوريا إلى ما لا نهاية. لقد صرح أوباما عشرات المرات بأنّ الأسد فقد شرعيته. وهو عندما لم يضربه بعد الكيماوي، فبسبب اعتبارات العلاقة مع روسيا الاتحادية. وهذه العلاقات بعد أوكرانيا في أسوأ أوضاعها. ومن المؤكَّد أن الولايات المتحدة ستردّ على بوتين في سوريا. وبالطبع فهي لا تريد إغضاب إيران بدون داع، لكنها لا ترى مبرراً مقنعاً للسطوة الإيرانية في سوريا ولبنان فضلا عن العراق! وعندما تتدخل خمس دول عربية إلى جانب الولايات المتحدة في سوريا، فليس من أجل «داعش» وحسْب؛ بل ولأنها ما عادت تتحمل القتل والتهجير في سوريا الأسد. كما لأنها دخلت منذ البداية في الحل السياسي الذي رفضه الروس والأسد وإيران. لذلك فمن حق السعودية والدول العربية الأُخرى أن تأمُلَ بعد زوال سوء التفاهم مع الولايات المتحدة، باتجاه الغربيين نحو الضغط للدخول في مرحلة انتقالية بسوريا. اعتبرت الولايات المتحدة أنها وضعت «خارطة طريق» للحل في سوريا. فبعد إضعاف «داعش» و«النصرة» بالضربات الجوية المتلاحقة، تستطيع المعارضة السورية المعتدلة الدخول إلى المناطق التي تُخْليها «داعش». بيد أنّ جهدها الرئيسي ينبغي أن يتجه إلى تحرير حلب من قوات النظام. وفي الوقت نفسِه تتجه المعارضة في الجنوب إلى أخذ درعا، والاقتراب من دمشق. وعندها (حيث لا طيران في الأجواء) يضطر النظام السوري للقبول بجنيف-1 الذي يفرض الدخول في مرحلة انتقالية. وهي تعني وقفاً شاملا لإطلاق النار من جانب سائر الأطراف. وتشكيل حكومة توافقية، وبدء إعادة النازحين، ونشر الشرطة وانسحاب الجيش لثكناته، ودخول قوات عربية ودولية، وتشكيل لجنة لكتابة الدستور، وإجراء انتخابات برلمانية. وفي أواسط 2016 إجراء انتخابات رئاسية. وهذا التصور مثالي إذا صح التعبير إذ دونه عقبات كبيرة أولها القدرة بالفعل على هزيمة «داعش» و«النصرة» في وقت قصير نسبياً. وقدرة المعارضة المسلحة والسياسية على تشكيل ضغوط حقيقية على النظام بمساعدة العرب والدوليين. لكن كيف تنتهي عملية «حَكّ الرُكَب» أو عض الأصابع مع روسيا وإيران؟ وأي الفريقين هو الأصبر والأطول نَفَساً؟ من الملاحَظ أنّ الرئيس أوباما اعتبر المدة الضرورية للحرب ستة وثلاثين شهراً وهذه مدة طويلة، وبالطبع لا يعني ذلك استمرار الوضع على ما هو عليه في سوريا الآن. إذ يمكن أن تبدأ العملية السياسية قبل ذلك بالطبع، لكنها تبقى رهن الأمرين آنفي الذكر: موافقة النظام وحلفاؤه على مرحلة انتقالية، والقدرة على إخماد الإرهاب الداعشي. كنتُ أُناقش المستشرق المشهور برنارد لويس عام 2006 في فَشَل الغزو الأميركي للعراق. وأنكر ذلك في البداية، ثم غير رأيه وقال: ينجح الأميركيون في الآخر، لكن بعد أن يكونوا قد جرَّبوا كل شيء. نعم، بدأ الفشل في العراق، لأن أميركا، ليست دولة استعمارية ذات خبرة في إدارة المستعمرات، لذلك ستغادر العراق بعد أن تحاول تغطية الفشل، وستسلّم البلاد لإيران بقصد أو بدونه. لكنها ستعود فيما أظن؛ فالأميركيون لا يهتمون بغير إسرائيل وتركيا والأكراد. أعرضت الولايات المتحدة عن التعاون مع العرب في تقرير مصائر منطقتهم. وهذا يعود لعهدي بيل كلنتون وبوش الابن وليس لعهد أوباما فقط! وبسبب إقصاء العرب ضربت المنطقة كما هو مُشاهَد. لذلك عاد الأميركيون وبالتعاون مع العرب هذه المرة. فعسى أن تكون الأمور أفضل في مستقبل قريب، بعد أن سقط خلال أقل من خمس سنوات نصف مليون عربي، وتهجَّر اثنا عشر مليوناً. فالله المستعان.