مثلت زيارة الرئيس الصيني «زي جينبينج» إلى الهند الأسبوع الماضي فرصة للبلدين لاستهلال عصر جديد من العلاقات المشتركة. ولهذا السبب، كانت الزيارة موضعاً لاهتمام كبير ومتابعة متأنية من دول الجوار والعالم. ويتميز البلدان بأنهما الاقتصادان الأسرع نمواً في العالم. وعندما تجتمع إرادتهما حول أي موضوع على المستوى العالمي، لا يكون أمام المجتمع الدولي من خيار آخر غير الإنصات لما يقولان. وفيما تحتل الصين موقع الشريك التجاري الأضخم للهند، إلا أن هناك العديد من دوافع الاختلاف بينهما. فهما طرفان متنافسان على المجال الاستراتيجي الاقتصادي والسياسي القائم في آسيا، وتتنازعان على مناطق حدودية متعددة. كما أن الإقامة المتواصلة للدالاي لاما، الزعيم الروحي للتيبت، على الأراضي الهندية كان سبباً دائماً للتوتر في الجانب الصيني. ولعل أهم ما جرى على مستوى هذه القمة بين الرئيسين، أن رئيس الوزراء الهندي «ناريندرا مودي» عندما اقترح التباحث من أجل التوصل إلى اتفاق لإنهاء النزاع الحدودي بينهما، سارع الرئيس الصيني لتغيير الحديث والإشارة إلى اعتزام الصين ضخّ 25 مليار دولار أميركي في مشاريع البنية التحتية الهندية خلال 5 سنوات. ويبدو أن هاتين القضيتين هما الأكثر تأثيراً على مدى قوة التجاذب والتنافر في العلاقات بين الهند والصين. وفيما يبدو الطرفان شديدي الاهتمام بترقية العلاقات الاقتصادية والتجارية وتعزيزها، إلا أن البلدين تواجهان معاً مهمة الوصول بالنزاع الحدودي الذي طال أمده إلى نتيجة مرضية، وهو الذي دفعهما إلى حرب حقيقية عام 1962. وكان من الواضح أن النزاع الحدودي قد ألقى بظلاله القاتمة على زيارة «زي جينبينج» التي تزامنت مع توتر متصاعد بين الجنود الهنود والصينيين على طول «منطقة لاداخ» الواقعة على الحدود الوعرة التي تفصل بين البلدين على تخوم سلسلة جبال الهيمالايا الغربية. وتتهم الهند الجيش الصيني بالتوغل بعيداً داخل المناطق الهندية وبناء طريق فوقها. ولم ينسحب الجنود الصينيون إلا بعد إجراء محادثات بين «مودي» وجينبينج. ولطالما تميزت العلاقات بين الجارتين بصعوبة إدارتها بسبب هذه الجراح الحدودية التي لا تندمل وحيث يختلفان على التابعية الإدارية والسياسية لعدة مناطق أخرى على طول الحدود المشتركة بينهما التي تمتد لنحو 4000 كيلومتر حتى أن المشاكل الحدودية بقيت تمثل السبب الرئيسي للتوتر السياسي. وتدعي الصين ملكيتها لولاية «أروناتشال براديش» كلها، وهي التي كانت تابعة للهند منذ أيام الاستعمار البريطاني فيما قالت الهند إن احتلال الصين لمنطقة «أقصاي تشين» التي تبلغ مساحتها 38 ألف كيلومتر مربع والتابعة لولاية «كشمير»، غير شرعي. ومنذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الآن، عقد الطرفان 16 جولة محادثات حدودية من دون أن تتوصلا لأي حل لهذه المشكلة المستعصية القائمة بينهما. وأما المشكلة الثانية من حيث الأهمية بين البلدين، فهي إقامة الدلاي لاما على الأراضي الهندية لمدة تفوق نصف القرن بصحبة عشرات الألوف من أتباعه الروحيين في التبت. وبالرغم من أن زعيم التبت المنفي قال في تصريح أدلى به مؤخراً إن «زي جينبينج» هو الزعيم الصيني الأكثر انفتاحاً وميلاً للواقعية من سلفه، فإن المحتجين من أبناء التبت واصلوا التظاهر أثناء زيارة الرئيس الصيني للعاصمة الهندية نيودلهي. وبالرغم من الخلافات المتجذّرة حول هذه القضايا بين الهند والصين، فإن العلاقات الاقتصادية بينهما شهدت طفرة نوعية عندما ارتفع حجم التجارة بينهما مؤخراً إلى 70 مليار دولار سنوياً. وتوقع مسؤولون في البلدين أن تنمو هذه العلاقة أكثر وأكثر في المستقبل. وتعتزم الصين الاستثمار في البنى التحتية الهندية بما فيها تشييد سكة حديدية للقطار السريع تربط بين مدن جنوب الهند بالإضافة لترقية وتطوير محطات القطارات الهندية. كما تعتزم الصين بناء مجمع صناعي في ولاية جوجارات بحيث ترتبط بشبكة لإنتاج الطاقة الكهربائية خاصة بها، ومجمع آخر في ولاية ماهاراسترا، وهي متخصصة بتصنيع قطع السيارات. واتفق الجانبان أيضاً على التعاون في الكشوف الفضائية وإطلاق محادثات تتعلق بالتعاون النووي المدني بالإضافة لسماح الصين للهند بدخول أوسع مدى لأسواقها وتسويق منتجاتها فيها. وتتضمن القائمة مواد صيدلانية ومنتجات زراعية. وخلافاً للإجراءات البروتوكولية المعتادة عند استقبال الرؤساء الأجانب في نيودلهي، فلقد رحّب «ناريندرا مودي» بالرئيس الصيني في منزله العائلي بمدينة حيدرأباد عاصمة ولاية جوجارات، واصطحبه شخصياً في جولة إلى البيت الذي عاش فيه المهاتما غاندي وزوجته عدة سنوات. وبالرغم من هذه الإيماءات السياسية الخاصة، فإن مؤشرات الوداعة ولين الجانب بين الزعيمين يمكن أن تكون خادعة وقصيرة الأمد ما لم تتخل الهند عن التحالف مع الولايات المتحدة ضمن ما يسمى «المحور الآسيوي» في بحر الصين الجنوبي. ويمثل هذا الحلف قضية بالغة الحساسية بالنسبة للصين، التي لا ينتظر منها أن تتوقف عن استعراض عضلاتها والتوغل عميقاً داخل الأراضي الهندية بالاستناد إلى هذه الذريعة. وبالنسبة للهند، تعد الصين جزءاً أساسياً من خطتها لإنعاش اقتصادها ضئيل النمو، والأقل جذباً للاستثمارات الأجنبية. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يمثل السلام والهدوء على طول المنطقة الحدودية عاملاً أساسياً لإعادة بناء الثقة بين الجارتين. وليس ثمة من شك في أن النزاع المتواصل على مساحات شاسعة من الأراضي سيسيء للعلاقات الثنائية بين الدولتين العملاقتين الآسيويتين. وبالرغم من أنهما كانتا تحرصان منذ زمن بعيد على منع النزاع الحدودي بينهما عن التأثير المباشر على العلاقات الثنائية في المجالات الاقتصادية والتجارية، فإن تكرار الحوادث على طول الحدود يمكنه أن يمثل في لحظة ما عائقاً يصعب تجاوزه أثناء محاولة تطوير العلاقات بينهما إلى مستوى أعلى. ـ ـ ـ ـ د. ذِكْرُ الرحمن مدير مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي