مع دخول «الحوثيين» إلى صنعاء وتوغلهم في العديد من المناطق والأحياء والمؤسسات الرسمية للدولة حتى كتابة هذه السطور، ومحاولتهم فرض سيطرتهم عليها بالقوة متجاهلين الدولة اليمنية بجميع مؤسساتها، خاصة الرئيس، تصبح مهمة دول مجلس التعاون في اليمن صعبة جداً، وتضع دول المجلس فرادى ومجتمعة أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما الخضوع للأمر الواقع وترك «الحوثيين» ومن خلفهم إيران يفعلون ما يشاءون باليمن ويقررون مصيره بطريقتهم، أو التصدي لما يحدث بقوة وصلابة وبجميع الطرق الممكنة وعدم استبعاد أي خيار من على الطاولة، خاصة خيار دعم الدولة اليمنية بجميع مؤسساتها القائمة بكل ما يمكن وبالسرعة الممكنة وباستخدام جميع الوسائل من عسكرية واقتصادية ودبلوماسية ولوجستية. إن اليمن في هذه اللحظات يشكل اختباراً حقيقياً للإرادة العربية-الخليجية أمام التحديات التي تضعها دول الجوار أمامهم، وصورة مخيفة للقصور المتواصل في مناهج دول المجلس تجاه اليمن. اليمن الآن هو المنفذ الجديد للتمدد المذهبي غير السني في الجزيرة العربية من خاصرتها الجنوبية الغربية، ما يعني الالتفاف حول الخليج العربي من الجنوب الغربي. واليمن هو ملاذ تنظيم «القاعدة»، الذي بدأ يطل برأسه من جديد بعد أن اعتقد الجميع بأنه تم القضاء عليه بعد مقتل زعيمه ومؤسسه في باكستان. وقبل شهور قليلة من الآن كانت التصريحات الرسمية التي تخرج سواء من قبل الأمانة العامة لمجلس التعاون عبر أمينها العام، أو من قبل المسؤولين في دول المجلس كل على حدة كانت تطرح لنا صورة بأنه توجد برامج شاملة وكاملة ومتوازنة لمساعدة الدولة اليمنية في تحقيق الأمن الداخلي للبلاد والقضاء على الإرهاب فيه، ولمساعدة الحكومة اليمنية ممثلة في رئيسها المنتخب عبد ربه منصور هادي على صعيدي السياسة والتنمية الاقتصادية لخلق نقلة يمنية تاريخية من حالة الفوضى العارمة، التي يعيشها إلى حالة جديدة أكثر إشراقاً من خلال ما يعرف بالمبادرة الخليجية. صحيح أن أجزاء مهمة من مبادرة دول مجلس التعاون قد تم تحقيقها على الصعيدين السياسي والدبلوماسي، لكن تلك الجوانب وحدها لم تكن كافية لأن مؤسسات الدولة اليمنية كانت ولازالت في حاجة ماسة إلى دعم حقيقي على الصعيدين العسكري والاستخباري، فالمعارك العسكرية التي يتم من خلالها الحسم الحقيقي للأمور في بلد مدجج بالسلاح حتى النخاع كاليمن لا يتم حسمها وتحقيق نهاياتها المرجوة من خلال السياسة والمبادرات الدبلوماسية والنوايا الحسنة. لذلك يمكن القول إجمالاً إن المبادرة الخليجية اتخذت لنفسها مساراً واحداً تاركة المسار الحاسم والأهم دون طرق، فكان ما كان من تغول الحوثيين وتجرؤهم على مؤسسات الدولة وعلى الشعب اليمني. الصورة في اليمن الآن قاتمة وسوداوية، فاليمنيون الشرفاء فقدوا ثقتهم بالحوار الوطني، ومبالغ ضخمة من أموال دول المجلس والدول الأخرى الداعمة لليمن ضاعت أدراج الرياح واليمنيون لا يزالون يعانون الفقر المدقع، لأن معظم الأموال الخارجية التي ضخت تحللت في أوساط بحور الفساد والفوضى السائدة، والقوانين التي يتم وضعها تطبق ضد الضعفاء ومن لا حيلة لهم، في حين أن من يمتلكون الثروة والسلطة بعيدون عن أن تطالهم. ونتيجة لما يقوم به الحوثيون الآن فإن حرباً أهلية مدمرة تدور رحاها، هي حتى الآن في الشمال، لكن المناطق الأخرى، خاصة الجنوب لن يبقى بعيداً عنها لمدة طويلة، بل ستحرقه هو أيضاً، والتنظيمات الإرهابية، خاصة «القاعدة»، تعيد تنظيم صفوفها كي تصبح قوة مؤثرة في شؤون البلاد مرة أخرى. اليمن الآن بعيد جداً عن أن يكون آمنا ومستقراً، والأمن الاجتماعي فيه معدوم تماماً، وسلطة الدولة وسطوتها على جميع المناطق أصبحت في خبر كان، وحيث تتواجد تكون لا فائدة حقيقية منها والشعب اليمني في جميع مناطقه هو الذي يدفع الثمن من دم أبنائه وأمواله ومصادر رزقه. نرجو من الله عز وجل ألا تصل بنا الحالة لكي نبكي على اللبن المسكوب في اليمن.