بدأت العمليات العسكرية ضد المنظمات الإرهابية على الأراضي السورية «داعش» «والنصرة» «وخراسان» التنظيم الأكثر خطورة من «داعش» كما قال الأميركيون، والذي كان يخطط لعمليات إرهابية ضد أهداف أميركية وغربية. استخدمت في العمليات مقاتلات وصواريخ وأسلحة نوعية متطورة ألحقت خراباً ودماراً كبيرين في المناطق المستهدفة وخسائر بشرية في صفوف المستهدفين. إنها البداية، لكن كيف ستكون النهاية؟ ما هي نتائجها؟ لا أحد من المخططين يمكن أن يتنبأ. المؤكد أننا سنكون أمام منطقة جديدة، وقائع جديدة، توازنات جديدة، أدوار جديدة، ثمة مؤشرات حول احتمالاتها لكن ليس ثمة شيء واضح ونهائي سوى المكاسب الإسرائيلية المتتالية لأن ما يجري في كل المنطقة يخدم الدولة العبرية أولاً وأخيراً استراتيجياً، وعلى كل المستويات، وفي كل المجالات وتحاول كل دولة من دول المنطقة – وفق معاييرها وحساباتها والتي قد لا تكون صائبة – أن تحمي نفسها وتحقق مصالحها وفق جدول أولوياتها، رافق العمليات قبل وخلال وبعد تنفيذها وحتى الآن الوقائع التالية: عندما سيطر تنظيم «داعش» على الموصل وزحف نحو «كردستان» العراق، وتبين أن البشمركة غير قادرة على صدّه، استنفرت أميركا ومعها العالم، وبدأ الدعم العسكري المفتوح يصل إلى كردستان العراق. قالوا لـ«داعش» : ممنوع تجاوز الخطوط الحمر، ممنوع المساس بأربيل ورفعوا شعار الدفاع عن الأكراد. جيد، ولكن هل هذا الموقف صادق؟ لا. بالأمس زحف «داعش» نحو المناطق الكردية في سوريا، وقام باجتياحها، ودفع بـ 190 ألف لاجئ إلى تركيا، ولم نر شعوراً بالمسؤولية تجاه الأكراد! لماذا؟ «داعش» هي «داعش» في العراق وسوريا. والأكراد هم الأكراد في العراق وسوريا. لماذا إذاً كانت النخوة والمروءة والاندفاعة لحمايتهم والدفاع عنهم في العراق وتركوا لمصيرهم الأسود في سوريا؟ إنها المصالح الأميركية الموجودة وتحت وفوق الأرض في كردستان العراق، وكذلك مصالح الحلفاء السياسية، التي لا بد من أخذها بعين الاعتبار في المنطقة! تركيا، كانت تحفظت على المشاركة في التحالف، ثم فجأة «حررت » مخطوفيها لدى «داعش» في عملية صفقة سياسية واضحة. «داعش» سيطر على المناطق الكردية المحاذية للحدود التركية. تركيا غطت، أعلنت عدم المشاركة في التحالف. استعادت مخطوفيها من أيدي «داعش»، ثم أقامت منطقتها العازلة على حدودها مع تركيا. وهذا هو الهدف الأهم الذي أعلن أردوغان أنه بحث أمر إقامتها مع أوباما وقادة في الحلف الأطلسي في آخر قمة عقدها منذ مدة قريبة! وفي الوقت ذاته أصبح الأكراد لاجئين ضمن منطقة معينة تحت الإشراف التركي، ولينغمسوا في حروب مفتوحة فللحكم في تركيا مصلحة في ذلك ! بعد إعلان أردوغان وبدء الضربات العسكرية، أعلنت تركيا استعدادها للمساهمة في الحركة لوجستياً وتقديم الدعم المتنوع الأوجه! إيران: كان الموقف الأميركي من مشاركتها في الحرب ضد الإرهاب حاسماً بالرفض الكلامي، لكن عملياً لم يتوقف الحوار الأميركي – الإيراني حول الملف النووي الإيراني. وكذلك التنسيق ولو غير المباشر حول الوضع في العراق منذ الإطاحة بالمالكي، وبدء التمدد «الداعشي» في المناطق العراقية، ثم بدأ الحديث علناً عن دور لإيران لا يمكن تجاهله في تلك الحرب. صدر الكلام من نيويورك على لسان وزير الخارجية الأميركي، ومع بدء الاتصالات الأميركية – الإيرانية المباشرة، واجتماعات مجموعة 5+1 مع وفد طهران واللقاءات الدبلوماسية للرئيس روحاني، واللقاء السعودي- الإيراني الذي يؤسس للقاء آخر في السعودية، وتصريح الرئيس الإيراني عن المملكة العربية السعودية وتصريح وزير خارجيتها الأمير سعود الفيصل والذي أكد فيه ضرورة « تجاوز أخطاء الماضي والعمل معاً كدولتين مهمتين»! إيران لم تكتف بالاستماع إلى الكلام. حققت إنجازاً كبيراً في اليمن من خلال «الحوثيين» في مواجهة كل الآخرين . السياسة موازين قوى والتفاوض يكون على الأرض. فإلى جانب الإنجاز الحوثي – الإيراني في اليمن وهو إنجاز استراتيجي في هذا التوقيت بالذات. وفي ما يخص سوريا بقيت إيران على موقفها من رفض التحالف الدولي لأن لها حسابات أخرى. أميركا تقول للعرب: لن يكون دور لإيران، وعندما يتحدثون معها تكون حسابات أخرى. إنه تخدير للعرب، وأميركا تقول لإيران: لا يمكن لك أن تستمري في التمدد والتشدد في المنطقة، إنه تحذير يترافق مع التأخير في الاتفاق على مشروعها النووي ولإسرائيل دور أساسي في ذلك. في سوريا، عمليات حربية كبيرة. النظام يتحدث عن السيادة ويفاخر بأنه أُبلغ بالضربات وكأن في ذلك اعترافاً بشرعيته في وقت ما لم يدمره هو وغيره في الداخل يدمر بهذه الحرب المفتوحة، وتقام المناطق العازلة على الأرض السورية في المناطق الكردية المحاذية لتركيا، وفي الجولان مع ما لهذا الموقع من خصوصية! وفي هذا التوقيت وفجأة يعود الحديث إلى السلاح الكيماوي السوري والكلور المستخدم من قبل النظام. مما يذكر بما جرى سابقاً. يهدد النظام بالضرب، يضرب خصومه دون السماح له بالاستفادة، ثم لا يضرب هو لأنه سيسلم ما تبقى لديه من أسلحة تهدد إسرائيل . والمستفيد هي دولة الإرهاب المنظم هذه. والنظام غارق في الحديث عن السيادة الوطنية والقرارات الدولية، ظناً من أن تحييد إسرائيل يبقي النظام، والتركيز على الإرهاب يستقطب ما يسمى المجتمع الدولي الذي يشن الحرب عليه. أما إسرائيل فقد استفادت وتستفيد من كل شيء . خسرت في غزة ، لكنها استفادت من حماية أميركا التي غطت إرهابها ضد الفلسطينيين والمجازر والأعمال الإرهابية الوحشية التي مارستها على مدى 52 يوماً. أميركا التي تأتي «لمحاربة الإرهاب» اليوم. واستفادت إسرائيل من سيطرة أميركا على الأمم المتحدة وحمايتها الدائمة لها، فالأمين العام للمنظمة يقول في تبرير الحرب عن «داعش» : « إن ثمة مجموعات قامت بأعمال وحشية ضد المدنيين، فتداعت دول لتشكيل تحالف ضدها. لسنا بحاجة إلى قرار دولي لذلك»! ألم تقم إسرائيل بأعمال وحشية ضد الفلسطينيين والعرب عموماً طوال تاريخها، وفي مراكز الأمم المتحدة نفسها في غزة وجنوب لبنان ؟ ماذا فعلتم؟ وإسرائيل استفادت من الحرب على سوريا، هي تدمر سوريا، تهجر أهلها. تستنزف الجيش السوري. النظام سلم أسلحته الاستراتيجية للغرب أي لإسرائيل عملياً والحرب مفتوحة وإسرائيل تقيم الآن «حزامها الأمني» «ومنطقتها العازلة » في الجولان! إسرائيل تمارس ضغطها على إيران وتبتزها. وتضغط على أميركا لمنع الاتفاق مع إيران حول المشروع النووي لأنها تريد ثمن كل شيء. وتستفيد من الحرب على الإرهاب لتقول إنه على الأبواب عندها. في الداخل المنظمات الفلسطينية المسلحة، ولذلك لا بد من نزع السلاح قبل إعمار غزة. ولابد من تدمير الأنفاق، ولابد من اتخاذ كل الاحتياطات الأمنية وإطلاق يد إسرائيل في الدفاع عن أمنها ومصالحها الاستراتيجية. وفي الخارج، الإرهاب على الباب من خلال الجولان، ومن خلال الحدود الأردنية، وما يواجه النظام هناك من تحديات ومخاطر وحتى من خلال المجموعات الإرهابية الوافدة إلى مصر وبالتالي لا بد من توفير كل الحمايات لها. والأخطر اليوم، وأمام هذه المتغيرات في المنطقة التي قد تؤدي في لحظة ما إلى تسويات خرجت إسرائيل لتقول بلسان نتنياهو: «إن المبادرة العربية الصادرة عن الجامعة العربية عام 2002 لم تعد ذات صلة بالشرق الأوسط بعد أن شهدت المنطقة تغييرات كثيرة، تبدأ من قطاع غزة، وتمر بسوريا والعراق وتصل إيران. والمبادرة أعدت بالأساس لمرحلة سابقة ومختلفة وذلك قبل سيطرة «حماس» على غزة، وقبل استيلاء«داعش» على أجزاء من سوريا والعراق والتفكك الفعلي للبلدين، وأيضاً قبل أن تسرع إيران وتيرة برنامجها النووي، وقبل أن يسيطر تنظيم «القاعدة» على الجولان، وهذا هو جوابي على المبادرة وما تنص عليه من انسحاب إسرائيلي من الجولان. توجد حقيقة هنا وهي اعتراف لأكثرية دول الشرق الأوسط بأن إسرائيل لم تعد عدوها الأبدي، على أقل تقدير هي حليف محتمل في التصدي للتحديات المشتركة»! بالتأكيد مقبلون على منطقة جديدة، والكل يستعد لها باستثناء العرب عموماً المسكونين بالهواجس والأوهام، والمخدرين الآن بالحرب على الإرهاب كأولوية دوى أن تسقط عنهم استهدافات الحروب الأخرى والتحديات المفتوحة في وجههم انطلاقاً من إسرائيل وصولاً إلى حسابات الغرب والجوار. ـ ـ ـ ـ غازي العريضي وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني السابق