في مقابلة أجرتها مؤخراً محطة «سي إن إن» الأميركية مع رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير، كان لابد من تناول منطقة الشرق الأوسط وما يجري فيها وكذلك ظواهر التعصب والعنف الدينيين المتعاظمة. وبطبيعة الحال كانت الخلفية الماثلة لدى المحاوِر والمحاوَر ما يقوم به تنظيم «داعش»، وآخره حصار مدينة كوباني (عين العرب) السورية الكردية بعد احتلال أكثر من ستين قرية من القرى المحيطة بها. على أية حال، فقد شن توني بلير بحق هجوماً على مدارس التعليم الديني التي تعلم التعصب وكراهية الآخر. والآخر، هنا، ليس غير المسلم فحسب، ولا غير السني حصراً، بل أيضاً المسلم السني الذي يفكر ويعيش بطريقة تغاير الطريقة التي يفكر ويعيش بموجبها هذا المتعصب التكفيري. وكلنا يذكر كيف بدأنا نتعرف إلى دور مدارس كهذه في أفغانستان وباكستان مع ظهور حركة «طالبان» والملابسات التي مهدت لجريمة 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن كما تلت ذلك. ولكن مُحاوِر بلير، الصحافي الشهير وولف بليتزر، ما لبث أن فاجأه بسؤاله عن الشبان والمراهقين المسلمين الذين درسوا في المدارس الرسمية البريطانية، لا في مدارس دينية إسلامية، ومع هذا نراهم وقد التحقوا بحركات «داعش» و«النصرة» وأمثالهما، منقطعين عن المجتمعات التي تربوا وأقاموا فيها طويلاً، وقاطعين آلاف الأميال كي ينضمّوا إلى «إخوتهم المجاهدين»! وهنا أجاب بلير بما معناه أنّ هؤلاء الذين درسوا في المدارس البريطانيّة كانوا أيضاً يحضرون دروساً أخرى في أمكنة أخرى، قاصداً بعض أئمة الكراهية الذين يتحلّق حولهم بعض الشبان المسلمين في بريطانيا ويحملون كلامهم على محمل الجدّ الكامل، إن لم يكن اليقين. والحال، وكما بات معروفاً جيّداً، أن ظاهرة كهذه لا تقتصر على بريطانيا وحدها، إذ تطال عدداً من البلدان الأوروبية الغربية الأخرى كفرنسا وألمانيا وهولندا، ولو بنسب متفاوتة. وهذا جميعاً ما يعاود وضع مسألة التعليم الديني أكان في المدارس أو في بعض المساجد في موقع متصدّر من الأولويّة والاهتمام. فبحسب صحيفة «القدس العربي»، يبدو أن تونس شرعت تفكر في ممارسة قدر من التدخل في هذه المجالات من خلال تشريع وزارة الشؤون الدينية إنهاء تكليف الأئمة الذين ثبت ترشحهم للانتخابات التشريعية (البرلمانية) المقبلة، وذلك «حرصاً على إبقاء المساجد خارج التجاذبات السياسية». ويبدو أن الوزارة أصدرت بياناً يؤكد أن إنهاء تكليف الأئمة يأتي في إطار «الحرص على مزيد إحكام سير المساجد وضماناً لحيادها عن التجاذبات السياسية والتوظيف الحزبي من خلال إمكانية استغلال المنابر للدعاية لبعض الأحزاب المعنية بالاستحقاق الانتخابي». كما دعت الوزارة، وفقاً للصحيفة نفسها، جميع الأئمة المعنيين بالانتخابات المقبلة إلى الإسراع في تسوية أوضاعهم عبر تقديم استقالتهم من المنصب، مشيرة إلى أنها ستتابع هذا الأمر لضمان حرمة المساجد والنأي بها عن أي نشاط لا يتماشى مع مهامها الدينية. وبدورها نقلت وكالة «رويترز» خبراً موسّعاً عن إنهاء «مدرسة أنقرة» للفقهاء الأتراك عملها الذي بدأ في 2008 ومفاده التدقيق في الأحاديث النبوية والفرز فيها، وهي المهمة التي يبدو أنها حظيت بدعم مفتي مصر وبعض المراجع الدينية البارزة هناك. وقد تناولت «كريستيان ساينس مونيتور» الرصينة هذا الحدث بكثير من الترحيب ودعوة المسلمين إلى الاهتمام والتأييد. وغني عن القول إن هذه المبادرات جميعاً لا تزال أقل كثيراً من الإصلاح المطلوب. ولكن ما ينبغي إتمامه على هذا الصعيد لابد أن يتلاقى مع مسؤولية غربية ما، مسؤوليةٍ لا يسع توني بلير إلا أن يتحمل جزءاً منها. ذاك أن أحد العناصر الأساسية التي دفعت الشبان المسلمين في الغرب إلى هذا الانزياح «الجهادي» الخطير يكمن في صعود النيوليبرالية الاقتصادية بدءاً من أواخر السبعينيات مع مارغريت تاتشر في بريطانيا، ثم في أوائل الثمانينيات مع رونالد ريغان في الولايات المتحدة الأميركية. وهذه الوجهة في تركيزها الكبير على حركة السوق وحرياتها، وعلى غل يد الدولة وتجفيف تقديماتها الاجتماعية، فضلاً عن تهديم القطاعات التقليدية في الاقتصادات المحلية من دون تقديم بدائل لأصحابها، هي التي وسعت بيئات الفقر والتهميش الاجتماعي. ولما تصاحب هذا التحول الاقتصادي مع صعود قيم لا تعبأ إلا بالمال، انضاف إلى الفقر شعور عميق بالاستبعاد والطرد في داخل المجتمعات الثرية نفسها. وهكذا لم يحرز هؤلاء من العولمة ثراءها وفرصها الجديدة، بقدر ما غنموا سلبياتها، أي استسهال التواصل مع بلدان المنشأ وعاداتها وتقاليدها ومآكلها، ولاحقاً أخبارها من خلال المحطات التلفزيونية الناطقة بلغاتهم، بحيث غدا وجودهم في البلدان الغربية مجرد انتقال مكاني لا يترتب عليه أي معنى وأي تأثر. والراهن أن كتلة المهاجرين، بوصفها الأضعف اقتصادياً أصلاً، كما أنها الأقل انخراطاً في أنظمة القيم «الأصلية»، أحست على نحو فائض بهذه العوامل المستجدة والحادة. ودليل ذلك أن المهاجرين، ما بين أواسط الخمسينيات وأواخر السبعينيات، كانوا يندمجون بوتائر معقولة في بريطانيا وفي سواها من البلدان الغربية. ومن الأعمال الثقافية التي نقلت هذا التحول فيلم سينمائي حمل عنوان «إبني الأصولي» يصوّر الفارق بين الأب المندمج في المجتمع البريطاني وبين نجله الذي لا يكف عن انتقاده لأنه لا يسلك سلوك المؤمن الحقيقي كما يراه ذاك الشاب. لقد وصل توني بلير إلى السلطة على رأس حزب «العمال» بعد سنوات تاتشرية طويلة، وكان المؤمل أن يفعل شيئاً مفيداً يحد عبره من أضرار مارغريت تاتشر ويوفر بعض الفرص للذين استبعدهم نظامها الاقتصادي ووضعهم جانباً. ولكن القليل جداً من هذا هو ما حصل، إذ ركز بلير على تنظيم ما فعلته «السيدة الحديدية» وعلى مأسسته. وكان هذا سيئاً بما فيه الكفاية، يضيف إلى مسؤولية المدارس الدينية ومشايخها مسؤوليته ومسؤولية زملائه الذين صاغوا الاقتصاد والحياة في المجتمعات الغربية في العقود الأخيرة.