مضت عشرون عاماً على الثورة التي حدثت في قطاع الطيران، التي بدأت على استحياء في مدرج صغير بولاية كاليفورنيا الأميركية. حينئذ كان أداء الطائرة، التي بدت على شكل «حشرة» بالغ التواضع في رحلتها الأولى، فلم تُحلّق سوى 14 ثانية فقط، بزيادة ثانيتين عن طائرة الأخوين «رايت» في عام 1903. وعلى الرغم من ذلك فقد بدت تلك النتائج جيدة بما يكفي لوزارة الدفاع الأميركية «البنتاجون»! ووقّع الجيش الأميركي عقداً لشراء عشرة من طائرات الاستطلاع التجريبية تلك، وأراد أن يدفع بها إلى دول البلقان. وكان الشيء المميز لتلك الطائرة، التي أُطلق عليها اسم: «بريديتور» (المفترسة) أنه لم يكن بها طيار أو تحتاج إلى أشخاص على متنها. وعلى الرغم من أن الطائرة «بريديتور» كانت بطيئة وغير موثوقة، إلا أنها سرعان ما فاقت التوقعات، وفي غضون عشرة أعوام حولت طبيعة الحرب وتمخضت عن صناعة جاذبة جديدة في مجال الدفاع الجوي. وفي الوقت الراهن، يمتلك «البنتاجون» ما يربو على عشرة آلاف طائرة من دون طيار مختلفة الأنواع، وبأحجام متنوعة، من لعبة الأطفال إلى «بوينج 757» العملاقة. ومقارنة بالنماذج الأحدث، أضحت الطائرة «بريديتور» عتيقة من الناحية التكنولوجية، وتخطط القوات الجوية الأميركية للتخلي عنها نهائياً بحلول عام 2018. لكنها لا تزال طائرة رمزية، لاسيما أنها مكنت الحكومة الأميركية من اصطياد زعماء تنظيم «القاعدة» وأعداء آخرين للولايات المتحدة من خلال التحكم عن بعد. بيد أن المنتقدين ينظرون إليها على أنها سلاح تستخدمه الولايات المتحدة لاغتيال الناس من دون محاسبة وخارج إطار القانون. وفي كتابه الجديد «بريديتور»، يروي الصحفي «ريتشارد ويتل»، تفاصيل جديدة ومؤكدة عن الظروف غير المتوقعة التي أفضت إلى ميلاد الطائرات من دون طيار. وقضى «ويتل» خمسة أعوام يحاول الوصول إلى أشخاص داخل وزارة الدفاع الأميركية وشركة «جنرال أتومكس» التي تصنع الطائرات من دون طيار، واتسم عمله بالمنهجية والمصداقية، وهي مهمة لم تكن سهلة في ضوء السرية الشديدة التي تحيط بها وكالة الاستخبارات الأميركية وسلاح الجو وإدارة أوباما وشركة «جنرال أتومكس»، عمليات إنتاج الطائرات من دون طيار، حتى فيما يتعلق بالتفاصيل البسيطة. ويشير المؤلف إلى أن النسخ الأولى من الطائرة بدون طيار بدت رديئة وكأنها مجمعة في مرآب، موضحاً أنها كانت مزودة بمحركات «4 سلندر» بقوة مماثلة للسيارة «بيتل» من «فولكس فاجن» القديمة، لكن سرعتها كانت أكثر قليلا. وأكد أن الطائرات من دون طيار كانت تواجه مشكلات تتعلق بالبقاء في الجو. وذكر أن أول عملياتها القتالية بدأت في يوليو عام 1995، عندما شحن سلاح الجو الأميركي ثلاث طائرات «بريديتور» إلى قاعدة عسكرية شيوعية قديمة في ألبانيا، بغرض التجسس على القوات الصربية في البلقان، وفي غضون شهر، أسقط الصرب إحداها، واصطدمت ثانية بجبل بعد أن تعطل محركها.. لكن أداءها تحسن بشكل تدريجي إلى مستويات قياسية. وحسب تحقيق نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، فقد تعرض زهاء نصف الطائرات من دون طيار التي اشتراها سلاح الجو الأميركي، منذ ذلك الحين وإلى الآن، لحوادث طيران خطيرة. وفي الفصول الأخيرة من الكتاب، تظهر أفضل المعلومات التي أوردها «ويتل»، حيث يقدم تفاصيل دقيقة عن كيفية استخدام وكالة الاستخبارات ووزارة الدفاع الأميركية طائرات «بريديتور» المسلحة في اصطياد زعماء تنظيم «القاعدة»، عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 مباشرة. ويشير «ويتل» إلى أن فريقاً مشتركاً من «وكالة الاستخبارات الأميركية» (سي آي ايه) و«سلاح الجو الأميركي»، أكد أنه رصد زعيم «طالبان» الملا محمد عمر في مدينة قندهار الأفغانية، لكن تدخلا مشوشاً من القيادة أحبط المهمة. غير أن الفريق الذي يوجه طائرات «بريديتور» نجح بعد أسابيع قليلة في تعقب القائد العسكري لتنظيم «القاعدة» محمد عاطف في العاصمة كابول، وقُتل على ما يبدو في هجوم صاروخي. وعلى الرغم من ذلك، يبدو أن «ويتل» لم تكن لديه إجابات عن كثير من الأسئلة المتعلقة بالطائرات من دون طيار.. فهل من الأخلاقي أن تخوض واشنطن حرباً من خلال السيطرة عن بعد، بينما يفجر طيارو سلاح الجو من مقراتهم الآمنة أهدافاً في جانب آخر من العالم؟ وماذا سيحدث إذا ابتكرت وزارة الدفاع «إنساناً آلياً» طائراً يمكنه إطلاق صواريخ «هيلفاير» تلقائياً من دون توجيه بشري؟ وائل بدران ------ الكتاب: «بريديتور» المؤلف: ريتشارد ويتل الناشر: هينري هولت تاريخ النشر: 2014