يجتمع قادة العالم هذا الأسبوع في مقر الأمم المتحدة، بدعوة من أمينه العام «بان كي مون»، بغية «تعزيز رؤية طموح ترتكز على الإجراء الذي سيمكن من التوصل إلى اتفاق عالمي» بشأن التغير المناخي العام القادم. لكن إذا كانت للتاريخ دلالة، فليس من المرجح أن يؤدي الحوار إلى الاستجابة الكبيرة التي نحتاجها لمعالجة التهديدات الحالية جراء التراكم المستمر للغازات المسببة للاحتباس الحراري في الغلاف الجوي. وقد اجتمع رؤساء الحكومات عدة مرات خلال العقود الماضية للتصدي لمشكلة التغير المناخي، وكان آخر هذه الاجتماعات في كوبنهاجن، الدنمارك عام 2009، حيث حاولت المفاوضات، لكن دون جدوى، إبرام اتفاق يحد من الانبعاثات. وبعد خمس سنوات، ونظراً للصعوبات الجيوسياسية، لم يتمخض الجهد الدولي عن النتائج المرجوة. وربما يتعين على المجتمع الدولي أن يتخذ نهجاً مختلفاً قبل أن تنتهي الجولة القادمة من المحادثات، المقرر عقدها في ديسمبر 2015، بنهاية أخرى على غرار النتيجة التي تمخض عنها اجتماع كوبنهاجن الذي انتهى بالحد الأدنى من النتائج. واعتقد الأذكياء في القرن العشرين أن بإمكاننا معالجة التغير المناخي عبر معاهدة توافق من خلالها دول العالم على «أهداف وجداول زمنية» لتقليل الانبعاثات. وهذه الانخفاضات سيتم تنفيذها من خلال أوامر وطنية تتدرج من أعلى إلى أسفل ودعم حكومي لتكنولوجيات الطاقة النظيفة. لكن بعد مرور 22 عاماً من توقيع اتفاق المناخ، استمرت الانبعاثات في الارتفاع ولاحت تهديدات بحدوث أضرار كبيرة. وكمسؤول بوكالة حماية البيئة، فقد كنت أحد الذين شاركوا في التفاوض على أول معاهدة للأمم المتحدة حول التغير المناخي في عام 1992، أعتقد أننا بحاجة إلى إحداث تغيير كبير ومحاولة شيء جديد. فالاعتماد على الحكومات المحلية بمفردها لتحقيق نتائج لا يكفي، كما أثبتت الأحداث في العقدين الأخيرين. فالإجراء الحقيقي بشأن التغير المناخي يأتي من قادة الدول ورؤساء البلديات والمسؤولين التنفيذيين بالشركات وقادة المجتمع. فهم في أفضل وضع يمكنهم من إحداث تغيير على الأرض. ووفقاً لذلك، فإننا بحاجة إلى الانتقال من استراتيجية تتدرج من أعلى إلى أسفل نحو نهج مختلف يتدرج من أسفل إلى أعلى. وعلى سبيل المثال، فإن رؤساء البلديات في برشلونة بإسبانيا، وملبورن بأستراليا، وكوريتيبا بالبرازيل.. يحاولون توسيع شبكة المواصلات العامة. أما عمدة نيويورك السابق «مايكل بلومبيرج» فقد عمل مع شركات خطوط الأنابيب لزيادة وصول الغاز الطبيعي حتى يتمكن السكان من التحول من أفران زيت الوقود القذر إلى أفران الغاز الطبيعي الأرخص والأنظف. وفي كندا، أدخلت مقاطعتا كولومبيا البريطانية وكيبيك برامج وضعت سعراً على انبعاثات الغازات الدفيئة، ما يجعلها أكثر تكلفة وتشجيعاً للابتكار. ونفس الشيء فعلته كاليفورنيا، وكذلك تسع دول في شمال شرق ووسط المحيط الأطلسي. وفي ولاية كونتيكيت، حيث كنت أشغل منصب مفوض الطاقة وحماية البيئة، أنشأ حاكم الولاية «دايل مالوي»، وهو ديمقراطي، «بنكاً أخضر» يستخدم أموال الحكومة المحدودة للاستفادة من التدفقات المتزايدة بصورة كبيرة لرؤوس الأموال الخاصة في مشروعات الطاقة النظيفة. وتُظهِر هذه الجهود أن السعي للوصول إلى مستقبل يستخدم الطاقة النظيفة، يمكن تحقيقه عبر طريقة جادة وفعالة بالتعاون بين الحزبين، دون حافز أو تصريح من الحكومات الولائية. والشيء ذاته فعله قادة العديد من الصناعات، حيث كثفوا من جهودهم في هذا المضمار، إيماناً منهم بأن هذا يخدم أهدافهم. فمثلا، قامت شركة «يونيليفر» للمنتجات الغذائية بتشجيع الموردين من المزارعين على اعتماد وسائل متقدمة وفعالة لتقليل إنتاج الكربون. أما شركة «داو للكيماويات» (داو كيميكال) فوضعت نظاماً للترشيح يقلل من الطاقة المستخدمة لتنقية المياه بنسبة 30 في المائة. وبالمثل قامت الشركة الأميركية للألومينيوم (ألكوا) بمساعدة شركتي «بوينج» و«فورد» لتحقيق كفاءة أفضل في استهلاك الوقود من خلال خفض وزن الطائرات والسيارات. وينبغي إبراز النجاحات التي حققتها هذه الشركات والكثير غيرها عند اجتماع قادة العالم في باريس للتفاوض على الجولة القادمة من التزامات المناخ. والأهم من ذلك، لماذا لا يتم توجيه الدعوة لقادة الدول والمقاطعات والمدن والشركات للانضمام إلى ممثلي الحكومات الوطنية في التوقيع على اتفاقية التغير المناخي المتوقع إبرامها عام 2015؟ بالتأكيد، فإن التركيز على العلاقات الدولية على مدار مئات السنوات كان منصباً على الدول القومية، لكن ليس هناك من سبب لأن يستمر الوضع كذلك. وعلينا إعادة تقويم نهجنا لإشراك القادة المحليين والإقليميين ورؤساء الشركات، خاصة في قضايا مثل التغير المناخي الذي يتطلب تأييداً شعبياً واسع النطاق إذا ما أردنا النجاح. وبينما نحن في سبيلنا للقيام بذلك، دعونا نتحول من الطريقة التي تتدرج من أعلى إلى أسفل، وهي طريقة تقضي بأن تدعم الحكومات الفيدرالية ابتكارات الطاقة النظيفة، اعتماداً على اختيار الفائزين ومساعدة الصناعات والتكنولوجيات المختارة. وبدلا من ذلك، دعونا نعزز نهجاً تمويلياً تعمل فيه الحكومات على إشراك القطاع الخاص في تقديم مشروعات الطاقة النظيفة. وبالإمكان تحقيق ذلك من خلال البنوك الخضراء والسندات وغيرها من آليات تمويل الطاقة النظيفة الأخرى التي يقدمها القطاع الخاص، والتي يمكنها أن تزيد بشكل كبير من تدفق رؤوس الأموال في تعزيز كفاءة الطاقة والطاقة المتجددة. ومن شأن التركيز على السوق الخاص ألا يسهم فقط في توفير المزيد من المال وتقديم مشروعات أفضل، ولكن أيضاً المنافسة على خفض التكاليف. إن الاعتراف بإخفاق النهج الحالي قد يكون صعباً بالنسبة للبعض. لكن دعونا نأمل أن يدفعنا اجتماع هذا الأسبوع نحو مسار جديد. ------- دانييل إستي أستاذ القانون والسياسات البيئية بجامعة «يل» ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»