غمرت نسائم الراحة وأنفاس الصعداء أروقة الحكم في لندن وعواصم الدول الأوروبية الأخرى، إضافة إلى واشنطن، عندما أضحى واضحاً أن الناخبين الإسكتلنديين رفضوا خيار الاستقلال في الاستفتاء الذي عقد يوم الثامن عشر من شهر سبتمبر الجاري. ولو أن المؤيدين للاستقلال وحملتهم انتصروا، حتى ولو بهامش ضئيل، لكان تأثير ذلك على السياسات الأوروبية مترامي الأطراف ومثيراً لكثير من القلاقل والمتاعب. وكان له أن يشجع مناطق أخرى، خاصة في إسبانيا وإيطاليا، على المضي قدماً نحو الاستقلال، ولتسارعت الانقسامات القائمة بالفعل في بلجيكا بين سكان المناطق الناطقة باللغة الفرنسية والأخرى الناطقة باللغة الفلمنكية. وبعيداً عن تلك التداعيات الإقليمية، كان التصويت في حد ذاته مثالاً جديراً بالاهتمام ويحتذى به كنموذج للديمقراطية؛ إذ بلغت نسبة المشاركة 85 في المئة من إجمالي عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت، وهي نسبة قلّما نراها في انتخابات الدول الديمقراطية الحرة. وقد خلت العملية الانتخابية من الحوادث وكافة أشكال العنف، وتقبل مؤيدو الاستقلال الذين خاب أملهم نتائج الفرز بصدر رحب أو هكذا أظهروا على الأقل. وأعلن الزعيم القومي «أليكس سالموند» أنه سيستقيل من منصبه كوزير أول في اسكتلندا، بينما اعتبر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون أن قضية الاستقلال تمت تسويتها على مدار جيل كامل. غير أن ذلك لم يمنع «سالموند»، الذي لا يزال زعيم «الحزب الوطني الاسكتلندي»، من اتهام الساسة في لندن بأنهم فازوا عبر خداع الناخبين الاسكتلنديين بتعهد «كاذب» بمنحهم مزيداً من السلطات. في إشارة إلى أنهم لن يحترموا وعودهم. ومن ثم، يبدو الوضع مختلفاً تماماً، فخلال الأيام الأخيرة من الحملة عندما أشارت استطلاعات الرأي إلى تقارب شديد بين طرفي السباق، عرضت الأحزاب السياسية الرئيسة في ويستمنستر جميعها، وعلى رأسها حزبا العمال والمحافظين، عرضت منح اسكتلندا مزيداً من السلطات إذا صوتت لصالح البقاء كجزء من المملكة المتحدة. وعقب الاستفتاء ورفض الإسكتلنديين للانفصال، قطع كاميرون وعداً على نفسه بمنح جميع الأقاليم التابعة للمملكة المتحدة مزيداً من الحكم الذاتي. وكان قبل الاستفتاء قد وعدهم بنقل مزيد من المسؤوليات من لندن إلى أدنبرة، الأمر الذي تسبب في غضب كثير من أعضاء حزبه المحافظ. وحسب تصريحات كاميرون، فسيحصل المواطنون في اسكتلندا على مزيد من سلطة اتخاذ القرار فيما يتعلق بشؤونهم المحلية. ويترتب على ذلك أنه ينبغي أن يحصل المواطنون في إنجلترا وويلز وأيرلندا الشمالية أيضاً على مزيد من حق المشاركة في شؤونهم. لذا، أما وقد تحققت أمانيهم، فعلى السياسيين الوفاء بوعودهم وإعطاء اسكتلندا سلطات أوسع وأكثر مرونة، وإلا فإنهم سيواجهون عاصفة سياسية من بين أيديهم ومن خلفهم. وعلى أية حال هناك ما يربو على 1.6 مليون ناخب إسكتلندي رغبوا في الانفصال عن المملكة المتحدة. ورغم قول كاميرون بأنه مُصرّ على تنفيذ تعهده، إلا أنه ربط منح اسكتلندا سلطات إضافية بالموافقة على إجراء ترتيبات دستورية جديدة. وفي هذه الأثناء، سيكون الأكثر صعوبة هو التعامل مع الغضب الحتمي من سكان لندن وويلز وأيرلندا الشمالية الذين لم يتمكنوا من التصويت على استقلال اسكتلندا، وعليه ستطلب برلماناتهم من كاميرون الوفاء بوعده ومنحها صلاحيات حكم ذاتي أكثر مما لديها في الوقت الراهن، كي تستطيع اتخاذ قرارات بشأن عدد من القضايا الداخلية، لاسيما السلطات المتعلقة بتسوية وزيادة الضرائب المحلية والتعليم والرعاية الصحية. وبناءً على الوضع الدستوري القائم، يحق للبرلمانيين الإسكتلنديين في مجلس العموم البريطاني أن يصوتوا على كافة القوانين البريطانية التي تؤثر على مجريات الأمور في المملكة المتحدة بأسرها، لكن النواب غير الاسكتلنديين ليس لهم ناقة ولا جمل في ماهية القوانين التي تسنها اسكتلندا منذ أن حصلت على حق انتخاب برلمانها الخاص في عام 1998. وعليه إذا حدث وتغير هذا الخلل، كما يرغب المنتقدون، فإن ذلك سيعني أن أعضاء البرلمان الإنجليز وحدهم سيكون لهم القول الفصل في أية تغييرات مقترحة على القانون الإنجليزي. ولأن ما يربو على 40 في المئة من أعضاء حزب العمال في البرلمان من اسكتلندا، باستثناء عضو محافظ واحد، فإن المحافظين، يمكنهم الاستفادة من هذه الميزة في كافة الأمور المتعلقة بالتشريعات الإنجليزية. ولأن معظم الأعضاء في برلمان المملكة المتحدة (مجلس العموم) من إنجلترا أو يعيشون في إنجلترا، فإن قدرة حزب العمال على منع أي قوانين جديدة يمررها المحافظون وحلفاؤهم ستتقلص بدرجة كبيرة إلى أن يزيد عدد أعضائهم في البرلمان ممن يعيشون في إنجلترا. وبالطبع سيحتدم الجدل بشكل كبير بشأن الصلاحيات التي لابد من منحها لإنجلترا، ولن تتم تسويتها على الأرجح حتى بعد الانتخابات العامة المقبلة في بريطانيا التي ستعقد في مايو عام 2015. وفي غضون ذلك، يشعر حلف شمال الأطلسي (الناتو) ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) و«البيت الأبيض»، أنها لم تضطر للتعامل مع تلك القضايا المعقدة التي كانت ستنشأ لو استقلت اسكتلندا، وكان سيقتضي ذلك التعامل معها في خضم هذا التوقيت الحرج، خصوصاً فيما يتعلق بالدفاع المشترك والمشتريات. وفي ضوء الأزمة الدائرة في أوكرانيا والكوارث الطاحنة في الشرق الأوسط وأفريقيا، تعتبر نتيجة التصويت على الاستقلال نعمة كبيرة.