هل سلوكنا محدد مسبقاً بناء على تركيبتنا الوراثية، أم أننا نتاج البيئة المحيطة بنا؟ بمعنى، ما الذي يساهم بشكل أكبر في نمو، وتطور، وخلق الشكل النهائي للكائنات الحية، العوامل الداخلية، أم الخارجية؟ أسئلة أبدية، كانت دائماً محل جدل محتدم، ونقاش ساخن بين علماء الأحياء، منذ أن نشر العالم البريطاني «تشارلز داروين» نظريته الشهيرة عن النشوء والارتقاء من خلال الاختيار الطبيعي، أو ما يعرف بالبقاء للأصلح. ورغم أن عالماً بريطانياً آخر، هو «فرانسيس جالتون»، أحد أقارب «داروين»، قد حاول الإجابة على هذه الأسئلة، وفهم مدى التداخل بين الوراثة والبيئة، من خلال دراسة الإخوة التوائم، إلا أن فكرته تلك –رغم مرور أكثر من قرن عليها- لم تمنحنا بعد إجابات شافية على الأسئلة السابقة. وربما زاد الأمر تعقيداً، منذ عصر «داروين» و«جالتون»، في ظل حقيقة أن التوائم المتشابهين، أي المتطابقين وراثياً، لا يتطابقان دائماً في بعض الصفات البسيطة، مثل بصمة الأصابع، أو شكل النمش على وجوههم، أو حجم وموضع الشامات على أجسادهم. وحتى بعض الصفات المركبة والأكثر تعقيداً، مثل مستوى الذكاء، والاضطرابات العقلية، كثيراً ما تختلف مستوياتها ومعدلاتها بين التوائم المتشابهة. ومن المنطقي تفسير هذا الاختلاف على أنه نتيجة اختلافات بيئية، فحتى في مسيرة حياة التوأمين المتشابهين، الذين تمت تنشئتهما معاً، هناك الآلاف من الاختلافات البسيطة، والدقيقة جداً، في البيئة والظروف التي عاش ونما كل منهما بها، بداية من وضعه في الرحم أثناء الحمل، واسم وجنس مدرس مرحلة الحضانة، أو شكل ونهاية أول علاقة عاطفية، وخلافه. ولكن على ما يبدو، أن الأمر أكثر تعقيداً من ذلك، في ظل وجود عامل آخر ثالث، بخلاف الوراثة والبيئة، لم يكن يحظى بالكثير من الاهتمام من قبل علماء البيولوجيا حتى وقت قريب، أصبح يطلق عليه عامل «الضوضاء أو الفوضى العشوائية»، وهو المجال الذي أصبح يحظى باهتمام بالغ من العلماء والباحثين. حيث كشفت الدراسات الحديثة، أن جميع العمليات الحيوية التي تحدث داخل الخلايا، هي بطبيعتها أصلاً، وحتماً، لا تخلو من الفوضى العشوائية، أو الضوضاء إن صح التعبير. هذه الفوضى أو الضوضاء، هي نتيجة طبيعية لأساسيات العمليات الكيميائية، حيث تتحرك الجزيئات داخل أي مركب بشكل عشوائي، غير منظم. وهو ما يعني بالتبعية أن العمليات الكيميائية داخل الخلايا، والتي تحتاج لتلك الجزيئات، يتوقف سيرها على وجود تلك الجزيئات المضطربة والعشوائية الحركة، في المكان المحدد، والزمن المحدد، حتى تستمر وتكتمل. نتيجة هذا الموقف، أن خليتين متطابقتين وراثياً، حتى ولو وجدا في البيئة نفسها، قد يتصرفان بطريقتين مختلفتين تماماً. فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي تكون إحداهما نشطة، قد تكون الأخرى خاملة، أو قد تنتج إحداهما ضعف كمية الهرمونات، أو الإنزيمات، أو غيرهم من المركبات الكيميائية الحيوية، مقارنة بخلية متطابقة معها وراثية، وموجودة في البيئة نفسها. إننا لسنا فقط نتاج الوراثة والبيئة، بل هناك أيضاً عامل ثالث يلعب دوراً مهماً في صفاتنا الجسمانية، وطباعنا الشخصية، وقابليتنا للإصابة بالأمراض، وهو العشوائية. ورغم أنه للوهلة الأولى يبدو الأمر غريباً، فكيف يمكن للحيوانات أو النباتات أن تنظم نموها، وتكاثرها، وسلوكها، بناء على العشوائية، ولكن عند التفكير في الأمر بروية، سنجد أنه ربما يكون ميزة في الكثير من الأحيان. فعلى سبيل المثال، تبدأ خلايا الجنين بعد الإخصاب وهي متطابقة تماماً، في الاختلاف، والتفرق، لتشكل خلايا الأمعاء، والقلب، والجهاز العصبي، وغيره من أجهزة وأعضاء الجسم، هذا الاختلاف والتفرق، ربما يكون نتيجة العشوائية المصاحبة للعمليات الكيميائية الحيوية. الميزة الأخرى لهذه الضوضاء أو العشوائية، أنها تنتج أفراد مختلفين نسبياً، حتى ولو تطابقوا وراثياً، مما يمنح المجموع فرصة أكبر للبقاء والاستمرار أمام التغيرات البيئية. وإن كان هذا الاختلاف، أحياناً ما يكون سلاحاً ذا حدين، حيث يمكن أن يتعرض الشخص لمرض وعلة، رغم وجوده في ظروف بيئية مطابقة لبقية أفراد العائلة أو المجتمع، نتيجة اختلاف استجابة خلاياه طبقاً للضوضاء الحيوية. والخلاصة هي أن السؤال الأبدي حول مدى حجم التركيبة الوراثية في التأثير على جميع جوانب حياتنا، مقارنة بحجم المتغيرات والظروف البيئية، ومدى التفاعل بين هاتين القوتين، قد زاد تعقيداً بإضافة عامل الضوضاء العشوائية، بحيث أصبح قدرنا البيولوجي ثلاثي الجوانب. وهو ربما ما يفتح الباب أمام فهم أكبر وأعمق لطبيعة الأمراض التي تصيب البشر، ولماذا يُصاب البعض دون الآخر رغم تشابههم وراثياً، ووجودهم وحياتهم في الظروف البيئية نفسها، وهو بالتبعية ما سيفتح آفاقاً جديدة للعلاج.