حسب عالم النفس «هادفيلد» فإن الحب هو تناسق العواطف في موسيقى عذبة، أما اللذة فهي متعة بالحلال، فيما الجنس هو ممارسة غريزة لدى كل المخلوقات الحيوانية. لكن الحب أعظمها جميعاً، وإن كانت إحدى تجلياته. قد تكون اللذة بهيمية بدون حب، لكنها تصبح إنسانية عندما تمتزج بعصارة الحب، فهذا هو خط التباين في العلاقة بين الجنسين عند الحيوان والإنسان. عندما تتصاعد دفقة الحب عند الإنسان لا يشعر بهدوء النفس ما لم يمتزج بالطرف الآخر؛ فالعلاقة هنا هي تجلٍ للحب. وقد استخدم القرآن تعبيرات لطيفة في ذلك: «فلما تغشاها»، «وجعل بينكم مودة»، «هن لباس لكم». ولم يتحرج الرسول صلى الله عليه وسلم من مناقشة موضوع الجماع، واعتبره أمراً يؤجر عليه الإنسان عندما يضعه في الحلال. فهو يفضي إلى الإنجاب وحفظ النوع وتكرار الذات، كشهادة توثيق دامغة على عمق هذه العلاقة، والتي تتعمق بترعرع الأطفال كثمرة حب، وبناء شبكة علاقات اجتماعية. الحب إذن نماء وتجدد في الحياة، والكراهية انعزال وتقوقع وانكماش وانتحار داخلي وفناء مبرمج. لا يمكن أن نحب الآخرين قبل أن نحب أنفسنا، ولا أن نحترمهم ما لم نحترم أنفسنا، ونعترف بذواتنا ونتأملها في ضوء جديد. فالإنسان بعد الولادة الرحمية تكون أمامه ولادات أخرى، أشار القرآن إليها عندما قال: «أو من كان ميتاً فأحييناه»؛ فهذا مؤشر إلى أن النفس تقسو فتصبح «كالحجارة أو أشد قسوة»، وأنها تصاب بمرض «فطال عليهم العمر» وتصل إلى الموت قبل الموت بانقطاع الصيرورة. فالحياة تدفق لا يتوقف للصيرورة. لذلك ينبغي أن نفهم الضلال والشقاء كحالة نفسية من موت النفس في الحياة، بتعطيل منافذ الفهم كمصادر تغذية للروح، والإيمان هو تلك النشوة من الأمل المشرق والاستمتاع بمعايشة الحياة والناس والتاريخ. من أعجب ما تركه لنا التراث الإسلامي مذكرات رجل فقيه دشن اتجاهاً عقلانياً بالكامل في الأندلس عرف بالمدرسة الظاهرية، لكنه في كتابه «طوق الحمامة في الألفة والإيلاف»، يتحدث بكل صراحة عن الجنس والحب، مقدِّماً عشرات التجارب والقصص له شخصياً ولأصحابه، في تفكيك فلسفي وتحليل نفساني بديعين ومثيرين، ما يجعلنا نفهم التقوى باعتبارها نمطاً من التوازن النفسي، وإشباع الحاجات، وضبط الغرائز بالتروية المعتدلة، وعدم السباحة في الهلوسات الجنسية، والمطاردة السرية للقصص الخليعة. يذكر «ابن حزم» في كتابه قصة حب عجيبة لرجل أندلسي هام بجاريته حباً، وغضب منها يوماً فباعها لآخر، ثم شعر بعظم غلطته، فحاول استردادها بكل ما يملك، لكن الفتاة كانت غير عادية إذ جعلت الثاني يعشقها حتى العظم؛ فلما احتكما إلى الوالي قدمهما إلى تجربة مريعة هي إلى حافة الموت أقرب! فقد كان الوالي على مرتفع عظيم، فطلب من الأول رمز حبه وصدقه في التعلق بها أن يلقي بنفسه من التلة، فما كان منه إلا أن رمى بنفسه من المرتفع؛ فهوى مترضرضاً لكنه نجا من الهلاك بقوة الحب! التفت الوالي إلى الثاني وقال: تفضل، فألقِ بنفسك كما فعل صاحبك؟ فتردد فدفع بالجارية إلى الأول؛ فعادا إلى الحب والغرام أشد لهفة وأعظم حباً؟ الحب أعمى، ليس له تفسير. يقولون كيمياء، ويقولون أشياء كثيرة، ولكنه انجذاب ساحر للأرواح، بقوة التعلق ومعنى الحياة.