تواجه العلاقات بين الغرب وروسيا اختباراً جديداً منذ انعقاد الاجتماعين المتزامنين لقمة حلف «الناتو» في ويلز، ومجموعة الاتصال الخاصة بالأزمة الأوكرانية في مينسك في الأسبوع الأول من شهر سبتمبر الجاري. فقد تبنت القمة الأطلسية موقفاً لا يمكن إلا أن يُحسب تصعيداً جديداً ضد روسيا. لكن اجتماع مجموعة الاتصال بشأن أوكرانيا أسفر في الوقت نفسه عن بروتوكول تمهيدي لوقف النار بين القوات الحكومية والقوى الانفصالية التي تلقى دعماً من روسيا بعد نحو خمسة شهور من القتال. ووُقع هذا الاتفاق في اليوم نفسه (5 سبتمبر) الذي أُعلن فيه قرار يمثل ذروة تصعيد «الناتو» ضد روسيا حتى الآن، وهو تشكيل قوة «رأس حربة للرد السريع» على أي اعتداء يتعرض له أعضاء الحلف في شرق أوروبا. لذلك صار السؤال مثاراً حول المسار الذي ستتخذه الأزمة بين «الناتو» وروسيا، وهل يمكن التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع في أوكرانيا رغم ترنح الهدنة المتضمنة في بروتوكول وقف النار، أم أن هذا الصراع سيستمر ويتصاعد؟ وينطوي هذا السؤال على بُعد عالمي يتجاوز الأزمة الأوكرانية التي تكمن خصوصيتها في كونها صارت أهم محددّات مستقبل العلاقات الدولية في مجملها، وليس فقط بين «الناتو» وروسيا، فضلاً عن كونها مرآة راهنة لهذه العلاقات. ولذلك يرتبط سؤال الأزمة بين «الناتو» وروسيا في أوكرانيا وانطلاقاً منها بسؤال أكبر وأعم عن مسار النظام العالمي في السنوات المقبلة، وهل سيغلب عليه الطابع الصراعي مجدداً؟ وإلى أي مدى يمكن الحديث جدياً عن حرب باردة جديدة؟ الأرجح، حتى الآن، أن طريق التهدئة والتوافق على قواعد راسخة للنظام العالمي يحترمها فاعلوه كلهم، ليس ممهداً بعد، بخلاف الطريق المفتوح على مصراعيه أمام تصاعد الصراع. فقد بلغت الثقة بين روسيا والغرب - بمعناه الأوسع الذي يجّسده «الناتو»- أدنى معدلاتها منذ أن أتاح انتهاء الحرب الباردة فرصة لتفاهمات تفتح الباب أمام إحلال التعاون محل الصراع في قمة النظام العالمي. وتُعد الثقة من أهم العوامل المؤثرة في العلاقات الدولية، وحين تغيب أو تضعف، يصبح مسار تصاعد الصراع هو الأرجح ويصعب التفاؤل بمستقبل النظام العالمي في مجمله وليس بحالة العلاقات بين الغرب وروسيا فقط، دون أن يعني ذلك بالضرورة إعادة إنتاج حقبة الحرب الباردة في مرحلة القطبية الثنائية، لأن المسار الصراعي سيكون أكثر تعقيداً في حالة تكريسه. ويمتد الصراع في النظام العالمي الآن إلى العلاقات بين الولايات المتحدة والصين أيضاً. فقد فشل الحوار الاستراتيجي والاقتصادي الذي أُجري بينهما في أول أغسطس الماضي في استعادة شيء من الثقة التي تراجعت إلى أدنى معدلاتها. فلا تقدم أحرزه هذا الحوار بشأن النزاعات المتصاعدة في عدة مناطق في بحري الصين الشرقي والجنوبي. ولا نتيجة تحققت على صعيد النزاعات التجارية بين الدولتين، وما يقترن بها من ارتفاع متزايد في قيمة العملة الصينية في مقابل الدولار بنسبة 2.4 في المائة في النصف الأول من العام الجاري. ولا حل تم التوصل إليه حتى بشأن حرب المعلومات التي ازدادت اشتعالاً قبل شهرين على بدء الحوار، عندما اتهمت وزارة العدل الأميركية خمسة مسؤولين صينيين بالاحتيال والتجسس الاقتصادي وسرقة برامج حاسوبية. وثمة علاقة قوية بين الثقة والقواعد المنظِّمة للعلاقات الدولية. فعندما تزداد فجوة عدم الثقة، لابد أن تؤثر سلبياً على هذه القواعد فتُضعف إمكانات احترامها وتُقوي الميل إلى تجاوزها أو تجاهلها أو انتهاكها. وحين تُنحّى تلك القواعد جانباً في أزمة كبرى يصبح تفاقمها متوقعاً، كما يزداد احتمال ظهور نزاعات جديدة كان ممكناً تجنبها في ظل مستوى أعلى من الثقة. والسيناريو الأسوأ في هذا السياق هو أن تصبح القوة العارية من المشروعية الدولية هي نفسها «القاعدة» أو المعيار الغالب في النظام العالمي. لذلك، فإذا ترسخ ما يبدو راجحاً اليوم، وهو أن الغرب وروسيا يتجهان نحو المضي في طريق الصراع، وأن أحداً لن يسعى إلى تمهيد الطريق الوعر الذي فتحه اتفاق مينسك، ربما تبلغ حال عدم الثقة المبلغ الذي يهدد قواعد ظلت محترمة لعقود طويلة، مثل تلك المتضمنة في اتفاقات الحد من التسلح الاستراتيجي التي تعود إلى مرحلة الحرب الباردة الدولية. فالخطر يهدد بعض تلك الاتفاقات في ظل التوتر المتزايد خلال السنوات الأخيرة نتيجة إصرار الولايات المتحدة على التوسع في منظومة الدرع المضادة للصواريخ، عبر نشر مزيد من منصات الإطلاق في بولندا ورومانيا، والرد الروسي من خلال اختبار طراز جديد من صواريخ «كروز». وسيزداد هذا الخطر بمقدار ما ستشعر به روسيا من تهديد بعد قرار «الناتو» في 5 سبتمبر الجاري تشكيل «رأس حربة للرد السريع» تضم قوات تتمركز في القسم الشرقي من هذا الحلف، فضلا عن اللهجة المتشددة في خطاب أمينه العام أندرس راسموسن عند إعلان هذا القرار، وخاصة حديثه عن «رسالة واضحة إلى أي معتدٍ محتمل». وربما يبلغ خطر تصعيد الصراع ذروته إذا أقدم «الناتو» على ضم أوكرانيا إلى عضويته، وهو ما تعتبره روسيا خطاً أحمر وتهديداً مباشراً لأمنها القومي. وليتنا لا ننسى أن الأفق مفتوح، في هذا الطريق، على مزيد من التوتر في منطقة آسيا الوسطى أيضاً مع اقتراب موعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان نهاية العام الجاري. فالأميركيون المتوترون بما يكفي لتركهم أفغانستان في حالة عدم يقين بشأن مستقبلها، يريدون تعويض فشلهم فيها عبر تعزيز نفوذهم في آسيا الوسطى، أي في «حديقة خلفية» أخرى لروسيا. ويتركز تحركهم الآن في أوزبكستان سعياً إلى التفاهم مع حكومتها على صيغة لإعادة الوجود العسكري الأميركي، الذي انتهى عام 2005 إثر صدام سياسي مع نظام الرئيس إسلام كريموف. كما فقد الأميركيون قاعدة «ماناس» الجوية في قيرغيزستان التي طلبت حكومتها العام الماضي من واشنطن إخلاءها. وتتحرك روسيا بطبيعة الحال للضغط على أوزبكستان لكي تمتنع عن منح الولايات المتحدة قاعدة «خان أباد» مجدداً أو غيرها. والمتوقع أن يتصاعد هذا الصراع الأميركي الروسي في الأسابيع القادمة، وخاصة أن واشنطن تطمح إلى قاعدتين على الأقل في أوزبكستان، إحداهما على الحدود مع أفغانستان. وهي تخطط لأن تستوعب القاعدتان القسم الأكبر من القوات التي ستغادر كابول. وهكذا يبدو أن طريق الصراع المتصاعد في قمة النظام العالمي هو الأقرب، وأن طريق التهدئة والتوافق مازال أبعد رغم أنه ليس مغلقاً بشكل كامل.