ما تعلمه الاسكتلنديون من استفتائهم على الانفصال/ الاستقلال أنه كان وسيلة للحصول على مزيد من الاستقلالية لحكمهم الذاتي، وإنْ لم تكن هذه الغاية التي توخّوها منه. قد لا يتمكّنون من تكرار المحاولة في المدى القريب، لكنهم توصلوا إلى إظهار انقسام ينطوي على «إنذار» دائم للحكم المركزي في لندن، مفاده أن الخمسة في المئة التي صنعت الفارق بين الـ «نعم» والـ «لا» قابلة للتحوّل إلى الجهة الأخرى، إذا لن تفيَ الأحزاب الرئيسية الثلاثة بما تعهّدته لترغيب المترددين القلائل بالبقاء في «الاتحاد». وما تعلمه الإنجليز من هزّة الاستفتاء الاسكتلندي أن تفكك «الاتحاد» لن يعني شيئاً أقل من تضاؤل مكانة المملكة التي كانت امبراطورية عُظمى لكنها غرقت قبل ستة أعوام في أزمة اقتصادية فرضت عليها شيئاً من الانكفاء، ولم تبرأ منها بعد. ولعلهم تعلّموا أيضاً أن معالجتهم لهذه الأزمة، بمزيد من التقشّف والضرائب، وبمزيد من الضغوط على المكاسب الاجتماعية وبالأخص على النظام الصحّي الأهم في العالم، هي التي أضافت نقمة احتجاجية إلى نزعة قومية متّقدة فأجّجتها. وإذا كان سيناريو الاستفتاء من ألفه إلى يائه وطّد ثقة البريطانيين بأن ديموقراطيتهم لا تزال فاعلة وحيّة، إلا أن الأيام الساخنة التي سبقته أعادت تذكير الجميع بأن نجاح اتحادهم عموماً هو ثمرة مساهمة جميع مكوّناته، القوي فيها والأقل قوّة. ولم يكن مستغرباً أن تتفق صحف عدة، بعد ظهور النتيجة (55 في المئة مع البقاء في بريطانيا مقابل 45 في المئة مع الانفصال) على عنونة تفيد بان أحداً «لم يربح»، ما يعني أيضاً أن أحداً لم يخسر، طالما أن «الاتحاد» مستمر. لكن تنفيذ التعهّدات/ التنازلات التي قدمتها أحزاب «المحافظين» و«العمال» و«الليبراليين الديموقراطيين» قد تثير مطالب جديدة مشروعة لتعزيز الحكم الذاتي وصلاحياته في ويلز وأيرلندا الشمالية، إسوة باسكتلندا، بل إنها ستطرح تساؤلات هذه المرّة في انجلترا نفسها، باعتبارها «مقاطعة» هي الأخرى وتشكّل المكوّن الثالث للاتحاد، وبالتالي يجدر أن يكون لها «حكم ذاتي» وكيان خاص لتنظيم هذا الحكم. وهكذا فإن الجسم التشريعي مقبلٌ على صداعات شائكة، لكنها تبقى أقل إيلاماً مما كان متوقعاً من انفصال اسكتلندا على مختلف الصعد، تحديداً في المجالات المالية والاقتصادية والدفاعية. رغم الوحدة التي اتسم بها تحرك الأحزاب الثلاثة، ودفاعها عن برنامج مشترك ضد انفصال اسكتلندا، إلا أن لاعبين آخرين بدوا مؤثرين جداً. فالملكة اليزابيث رفضت التدخل في النقاش، معترفة مبدئياً بحق الاسكتلنديين في تقرير مصيرهم، إلا أنها أطلقت عبارة صغيرة شاءتها عفوية وعبّرت فيها عن موقف واضح، إذ قالت «ينبغي التفكير العميق في المستقبل قبل التصويت». وجاء ذلك بعد سلسلة بيانات من شركات ومصارف كبرى تعلن عزمها على مغادرة اسكتلندا إذا قررت الانفصال، وبعد تصريحات متتالية لمسؤولين أوروبيين وأطلسيين يشككون في قبول عضوية اسكتلندا المستقلة في الاتحاد الأوروبي و«الناتو». وإذ بقيت ثغرة واحدة في جبهة رافضي الانفصال، فقد أقدم البيت الأبيض على ردمها، مؤيداً بقاء بريطانيا «قوية ومزدهرة باتحادها»، ومبدداً بالتالي شكوكاً ساورت البعض بأن الولايات المتحدة قد تكون أعطت القوميين الاسكتلنديين وعوداً بدعمهم إنْ نجحوا في تحقيق الانفصال. لم تمرّ عاصفة الاستفتاء هذه من دون أن تحرّك رواسب راكدة في أعماق القارة القديمة، خصوصاً أن ثمة تجربة حديثة حصلت بانفصال تشيكيا وسلوفاكيا، كما أن أزمة ساخنة متفاعلة تنذر بانسلاخ شرقي أوكرانيا عن غربها بفعل حرب بالوكالة تدور وقائعها حالياً بين روسيا وأميركا مع دول الاتحاد الأوروبي. ورغم اختلاف الظروف والسياقات، إلا أن أحداث الشرق الأوسط، معطوفة على صراعات انفصالية مزمنة في بعض أفريقيا وأميركا اللاتينية، لفتت إلى أن الدول الحديثة، الناجحة أو الفاشلة والأقل فشلاً، تبدو كأنها متساوية في كونها أخفقت في تذويب التمايزات القومية والعرقية حتى في إطاري المواطنة والمساواة أمام القانون، كما هي الحال في الدول المصنّفة متقدمة سياسياً واقتصادياً. فجأة أدّى الحدث الاسكتلندي إلى فتح ملفات الاتحادات التي نجحت والانفصالات التي لم تنجح، بل إلى خريطة أوروبا وقومياتها الطامحة إلى رؤية دوقياتها ومقاطعاتها ودويلاتها تنبعث من رمادها. فقفزت إلى العناوين أسماء «الباسك» و«كاتالونيا» (إسبانيا) و«لومبارديا» (إيطاليا« و»كورسيكا« و«بريتانيا» (فرنسا)، بل وردت في السياق القطع التي كانت اتحاد يوغوسلافيا ثم تحاربت وتفرّقت خلال تسعينات القرن الماضي، وكان بالإمكان المضي أعمق في التاريخ الذي بدا أنه لم يندثر، رغم كل ما قيل ولا يزال يُقال عن الاتحاد الأوروبي وتجربته المتقدّمة في إثباتها أن التكتلات من مؤشرات الحداثة في تنظيم الاقتصاد والتقريب بين السياسات. لكن الجميع تذكّر أن الاتحاد الأوروبي نفسه يعاني من أزمة تكمن في الاقتصاد أساساً، وبسبب هذا الاقتصاد وأزماته تتصاعد النزعات القومية خصوصاً عندما تتيقن المقاطعات، أو ربما تتوهّم، بأن مساهمتها في الاقتصاد الوطني لا تتناسب مع ما يخصصه الحكم المركزي لتنميتها وازدهارها. هذا ما اعتقده الاسكتلنديون، ولعل الحسابات التي استندوا إليها تأثرت عاطفياً بمشاعرهم القومية.