سالموند: التقاعد السياسي ومحك الاختبار الشعبي للانفصال! كان يوم الجمعة الماضي يوماً فاصلا في تاريخ أسكتلندا، أو هكذا على الأقل أراد له القوميون الأسكتلنديون؛ إذ ما أن جاءت نتيجة الاستفتاء الشعبي على الاستقلال بغير ما تمنّوه وطالبوا به، حتى بادر زعيم الحزب القومي الأسكتلندي الحاكم، أليكس سالموند، إلى إعلان الاستقالة من موقعه كرئيس للحزب ومن منصبه كرئيس للحكومة الأسكتلندية. وقال سالموند للصحفيين في العاصمة الأسكتلندية أدنبرة، بعد ساعات من إقراره بالهزيمة في الاستفتاء؛ «بالنسبة لي كزعيم انتهى زمني تقريباً، لكن بالنسبة لأسكتلندا فإن الحملة مستمرة والحلم لن يموت أبداً». بيد أنه دعا الحكومة البريطانية للوفاء بوعودها بمنح مزيد من السلطات للبرلمان الأسكتلندي، تعزيزاً لسياسة اللامركزية وتمكيناً لأسكتلندا من حكم نفسها بنفسها، وهو الحلم القديم لسالموند وغيره من القادة القوميين الأسكتلنديين. ويعد أليكس سالموند أحد أبرز الساسة الأسكتلنديين في الوقت الحالي، وهو رئيس وزراء أسكتلندا منذ سبعة أعوام، وزعيم الحزب القومي الأسكتلندي لفترتين امتدت كل منهما عشر سنوات. وقد ولد «الكسندر (أليكس) إليوت أندرسون سالموند»، في لينليثغو بالقرب من ادنبره، عام 1954، وكان الثاني بين أربعة أطفال ولدوا لروبرت فيندلي فايف سالموند وماري ستيوارت سالموند. وتلقى «أليكس» تعليمه في المدرسة المحلية في لينليثغو خلال الفترة بين عامي 1966 و1972، ثم درس في كلية ادنبره للتجارة وحصل منها على شهادة البكالوريوس، وبعد ذلك التحق بجامعة سانت أندروز، حيث درس الاقتصاد وتاريخ العصور الوسطى ونال فيهما درجة الماجستير بمرتبة الشرف عام 1977. وفي العام التالي دخل سالموند الخدمة الحكومية كخبير اقتصادي مساعد في وزارة الزراعة والثروة السمكية الأسكتلندية. وبعد عامين انضم إلى موظفي البنك الملكي الأسكتلندي، حيث عمل لمدة سبع سنوات كمحلل اقتصادي مساعد، ثم تم تعيينه في عام 1982 خبيراً في اقتصاديات النفط، وفي العام التالي أنشأ «مؤشر النفط رويال بنك -بي بي سي» الذي لا زال معمولا به حتى الآن في تحليل تطورات السوق النفطية. أما التاريخ السياسي لسالموند فيعود إلى أوائل السبعينيات عندما كان طالباً في جامعة سانت أندروز. فقد انتسب في عام 1973 إلى اتحاد الطلاب القوميين في الجامعة، بتأثير من زميلته ديبي هورتون، التي كانت سكرتيرة الفرع الطلابي للحزب على مستوى الجامعة. وقد بدأ سالموند حياته السياسية بوصفه يسارياً ملتزماً داخل الحزب الوطني الأسكتلندي، وكان عضواً بارزاً في تنظيم «الجمهوريين الاشتراكيين» على مستوى الحزب، ثم في «مجموعة 79». لكن عضويته في الحزب تم تعليقها، مع قادة آخرين، عندما أصدر الحزب قراراً بحظر «مجموعة 79» داخل هيئاته. إلا أن سالموند ورفاقه عادوا إلى الحزب بعد تصويت المجلس الوطني للحزب على إلغاء تعليق عضويتهم، وتم انتخابه في عام 1985 نائباً لأمين عام الحزب لشؤون التنظيم والدعاية. ثم ترشح لعضوية البرلمان عن الحزب في دائرة «بانف وبوشان»، فهزم النائب المحافظ المنتهية ولايته ألبرت ماك كويري في عام 1987. وفي وقت لاحق من ذلك العام أصبح نائب رئيس الحزب، وكان لا زال ينظر إليه على أنه يمثل يسار الحزب، لاسيما بعد أن أصبح حليفاً رئيسياً لجيم سيلارز الذي انضم إليه في مجلس العموم البريطاني عندما فاز بمقعد غلاسكو غوفان خلال الانتخابات التكميلية في عام 1988. وخلال دورته الأولى في البرلمان البريطاني، بين عامي 1987 و1992، ظهر سالموند كسياسي صاعد بقوة، فناظر ونافح عن قضايا أسكتلندا في مجلس العموم، لاسيما من موقعه كعضو في لجنة الطاقة داخل المجلس. وساعده ذلك على شق طريقه نحو زعامة الحزب القومي الأسكتلندي للمرة الأولى عام 1990، في وقت لم يكن فيه للحزب سوى أربعة أعضاء فقط داخل البرلمان البريطاني، إلا أنه استطاع كسب أصوات الناخبين في الأعوام اللاحقة. وبعد انتخاب حكومة حزب العمال في لندن عام 1997، أطلق سالموند مع حزبه حملة طويلة للمطالبة بمزيد من اللامركزية لصالح أسكتلندا. وكان ذلك قراراً مصيرياً ومكلفاً، إلا أنه أتى بثماره أخيراً، إذ أصبح ثلاثة أرباع الأسكتلنديين يؤيدون وجود برلمان أسكتلندي، مما سمح أخيراً بإنشاء البرلمان في عام 1999. وفاجأ سالموند الجميع في عام 2000 بتخليه عن مقعده كزعيم للحزب الوطني الأسكتلندي، وبرر قراره بالقول إنه بعد عشر سنوات من وجوده على رأس الحزب، ينبغي تجديد القيادة. ولم يسع سالموند إلى إعادة انتخابه في البرلمان الأسكتلندي، إلا أنه استعاد مقعده في وستمنستر خلال الانتخابات التشريعية في عام 2001، وعاد ليتزعم المجموعة البرلمانية للحزب، حيث نقل مقر إقامته إلى وستمنستر في قلب لندن. وفي تلك السنوات عارض رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وانتقد بشدة الحرب البريطانية الأميركية على العراق، متهماً بلير بـ«الكذب». وقبل سنة من استعادته مقعده عن «بانف وبكن» في الانتخابات التشريعية الوطنية لعام 2005، انتخب سالموند مرة أخرى رئيساً للحزب القومي الأسكتلندي، خلفاً لـ «جون سويني» الذي أعلن استقالته من قيادة الحزب ورئاسة الحكومة. وفي العام التالي أعلن سالموند نيته المنافسة على مقعد دائرة جوردن الانتخابية (شمال أبردين) في انتخابات البرلمان الأسكتلندي عام 2007، وفي هذه الانتخابات هزَم سالموند عضوَ البرلمان الذي كان على هذا المقعد، كما أصبح الحزب القومي الأسكتلندي أكبر الأحزاب في البرلمان الأسكتلندي. وفي يوم 16 مايو 2007 انتخب رئيساً للوزراء من قبل البرلمان الأسكتلندي، ليشكل حكومة أقلية. لكن في الانتخابات البرلمانية التالية، والمنظمة في مايو 2011، فاز حزبه بالأغلبية المطلقة وتمت إعادة انتخابه رئيساً للوزراء في 10 يناير 2012، ليعلن قراره التاريخي بإجراء استفتاء على استقلال أسكتلندا يوم 18 سبتمبر 2014. لكن رياح الاستفتاء جاءت، يوم الجمعة الماضي، بما لا يشتهيه سالمون وحزبه، حيث قال الأسكتلنديون «لا» في الاستفتاء، مفضّلين بقاء أسكتلندا ضمن المملكة المتحدة، فما كان من سالموند إلا أن أعلن أنه لن يترشح مجدداً لرئاسة الحزب القومي الأسكتلندي في مؤتمره السنوي المقرر في نوفمبر القادمة، معلناً كذلك استقالته من رئاسة الحكومة. ولا شك أن مآل طموحات الحزب القومي الأسكتلندي أوجدت مزاجاً سيئاً لدى أحزاب وقوى انفصالية أخرى في أوروبا، خاصة إسبانيا وإيطاليا وفرنسا، لكنه أثار الارتياح لدى أنصار «المملكة المتحدة»، لاسيما أن سلمية الاستفتاء وسلاسته ومناخ القبول بنتائجه.. أظهرت الروح العميقة للديمقراطية البريطانية وعودها الناضج وقوامها الصلب. وفي إطار هذه الديمقراطية عادةً ما يتنحى القادة، أو يتقاعدون سياسياً، حين تُمنى مشاريعهم بالفشل على محك الاختبار الشعبي الحر. محمد ولد المنى