يستحق خبر الإعلان عن التحالف الذي عقده جون كيري خلال رحلته المكوكية إلى الشرق الأوسط الضحك الفارغ. وكان الهدف هذه المرة بناء تحالف دولي جامع لمواجهة أحدث خطر مضاد لأميركا يقوده تنظيم «داعش» الإرهابي. وينشغل أوباما وكيري حالياً بتشكيل تحالف يهدف لمواجهة هذا التنظيم المتعطش للدماء، والذي نصّب قائده نفس تحت اسم الأمير أبي بكر البغدادي. ووصل كيري إلى باريس بعد جولة في بعض الدول المستعدة للمشاركة في التحالف، كما وصفها المسؤولون الأميركيون. إلا أنها ليست راغبة كلها في خوض عمل عسكري ذاتي. وقالت فرنسا إنها ستشارك في القصف الجوي، لكن رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، الذي يشارك بتقديم المساعدة الجوية غير القتالية، رفض المشاركة في العمل العسكري الذي وصفه خبراء عسكريون بأنه «دينامي نشط»، أي أنه مشحون بضجيج المتفجّرات. أما أستراليا التي لا تتعرض لخطر محسوس، فآثرت المشاركة ليس فقط بقنبلاتها، بل وأيضاً ببعض الجنود على الأرض. وحتى الآن، تُعدّ إيران الدولة الوحيدة في المنطقة التي تحارب «داعش» عملياً في جبهتين. ففي سوريا، تدافع عن حكومة بشار الأسد منذ اندلاع الانتفاضة السورية. والجبهة الثانية هي العراق والتي تنشغل فيها بالحرب ضد تنظيم «داعش» السنّي. وهذا يعني ببساطة أن تحالفاً استراتيجياً بين إيران والولايات المتحدة يمكن أن ينطوي على فوائد للطرفين معاً. وفي واشنطن، ارتفع صوت السيناتور الجمهوري «راند بول» الأسبوع الماضي عندما أطلق تصريحاً بلغ القمة في جرأته وغرابته حيث قال: «إذا حاربنا الأسد، فسوف نهيئ للجهاديين أرض نعيمهم في سوريا». وذهب «بول» في تصريحه إلى وصف إيران وسوريا بأنهما «الحليفان» اللذان يمتلكان الوسائل والرغبة الجامحة لـ«تدمير داعش». لكن أوباما وكيري ومعهما الحزبان الرئيسيان في الكونجرس، لا يأبهون لمثل هذا الطرح. ووفقاً لخبر نشرته وكالة «أسوشييتدبرس»، فإن الرئيس العراقي (الكردي) فؤاد معصوم قال إنه «يأسف» لأن الولايات المتحدة لم تسمح لإيران بالمشاركة في مؤتمر باريس. وقال معصوم إن الدعم العسكري المنتظر من التحالف الدولي «غير ضروري». وكانت إيران الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط، إلى جانب سوريا، التي تم استبعادها رسمياً عن حضور المؤتمر الدولي في باريس الذي انعقد بهدف تقديم الدعم العسكري للحكومة العراقية الجديدة. وبناءً على ما نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد قال كيري إنه نظراً لمشاركة «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني، في المعركة الدائرة في سوريا، فإن ذلك يكفي لاعتبار إيران طرفاً غير مناسب لحضور مؤتمر باريس. وأضاف كيري: «إن النظام السوري راعٍ رسمي للإرهاب في مناطق مختلفة». وهناك عقبة أخرى أمام هذا التحالف. فرغم أن الولايات المتحدة تواصل المحادثات مع إيران حول ملفها النووي، فإن أي تعاون رسمي مع إيران الشيعية ضد «داعش»، لابدّ أن يقلق الدول العربية السنّية الكبرى بالإضافة إلى تركيا وإسرائيل. وهي دول ستقع عندئذ على كل الأسباب والمبررات للانسحاب من الائتلاف. ويمكن تبرير الممانعة الأميركية التقليدية لإقامة أي صداقة مع إيران في موقفين عدائيين قديمين. سُجل أولهما غداة الانتخابات الديمقراطية التي نظمت هناك عام 1951 عندما انتخب الإيرانيون السياسي ذا الشعبية الواسعة محمد مصدّق زعيم «حزب الجبهة الوطنية»، رئيساً للوزراء. وسرعان ما عمدت حكومته تنفيذاً لوعود قطعتها للناخبين، إلى تأميم صناعة النفط التي كان يسيطر عليها البريطانيون. وما كان من شاه رضا بهلوي إلا أن أدان هذا العمل وغادر إيران محتجاً. وتعاونت الولايات المتحدة مع أصدقائها البريطانيين على تنظيم انقلاب عسكري أطاح برئيس الوزراء وأعاد الشاه الذي شكل حكومة جديدة تضمن «عدم إحداث تغييرات في توجهات النظام» مستقبلا. إلا أن هذا الإجراء سرعان ما أثبت فشله. ففي عام 1979، سجّلت الواقعة الثانية وقادها هذه المرة مؤيدو الخميني الذين استدعوه من منفاه وتنصيبه مرشداً أعلى خلفاً للشاه الذي ذهب إلى منفاه. وقد أعرب أتباع الخميني عن بغضهم الشديد للولايات المتحدة عندما هاجموا سفارتها في طهران واحتجزوا موظفيها كرهائن. وهناك واقعة ثالثة معروفة أيضاً. فقد حذّرت إسرائيل الولايات المتحدة من التعامل الطبيعي مع إيران بدعوى أنها تعمل على تطوير سلاح نووي لاستخدامه ضدها، وأنها تريد تدميرها. وأيضاً باعتبارها الدولة الإسلامية الوحيدة الرئيسية في المنطقة التي تهددها بالسلاح النووي منذ نجح الأميركيون في نزع سلاح العراق عندما عمدوا إلى غزوه واحتلاله عام 2003. ولا أرى بأساً في التذكير بأن الدليل المتوفر حتى الآن عن سعي إيران لامتلاك السلاح النووي، لا يختلف كثيراً عن أسلحة الدمار الشامل الخيالية التي دفعت الولايات المتحدة لمهاجمة العراق عام 2003. وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، وصل فريق من قناة «بي بي سي» البريطانية إلى الخطوط الأمامية للجبهة وحيث كانت الغارات الجوية الأميركية تدعم القوات العراقية والكردية من أجل استعادة السيطرة على بلدة حدودية. وأجرت القناة لقاءات مع قادة الميليشيات الشيعية الذين قالوا إنهم في معسكر تدريب ممول ومسلح ويقع تحت القيادة المباشرة للحرس الثوري الإيراني. وقال أحدهم بعبارة واضحة: «إن القوات الإيرانية تتحكم بكل ما يجري على أرض العراق فيما عدا ألوان علم الدولة». وقد وجدت القوات الكردية التي كانت تعاني الضياع والتشتت ذات مرة، نفسها الآن وهي منشغلة في قتال متعدد الجبهات بالتعاون العسكري «غير المنظور العواقب» مع إيران.