بدعوة كريمة من وزارة الخارجية السعودية ممثلة بمعهد الدراسات الدبلوماسية في الوزارة ومركز الخليج للأبحاث وتحت رعاية من وزير الخارجية سمو الأمير سعود الفيصل، شاركتُ الأسبوع الماضي في مؤتمر مهم في توقيته وظروفه ومكانه ومحاوره والشخصيات المهمة المشاركة في جلساته من سياسيين ومسؤولين ووزراء كوزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي ووزير الخارجية اليمني، وحضور أكاديمي مميز من زملاء خليجيين وعرب وأوروبيين وأميركيين. وقد تزامن عقد المؤتمر في العاصمة السعودية مع تصاعد الحمى الإقليمية والدولية وبناء الحشد الإقليمي والعالمي، وخاصة بعد أيام من عقد اجتماع جدة بين 12 وزير خارجية بينهم 10 وزراء خارجية عرب -من دول مجلس التعاون الخليجي والعراق ومصر والأردن ولبنان- بالإضافة إلى وزير خارجية تركيا الجديد ووزير خارجية الولايات المتحدة، لتشكيل تحالف وائتلاف إقليمي ودولي من 40 دولة لمواجهة خطر تنظيم «داعش». وقد تزامن انعقاد المؤتمر مع اجتماع باريس بمشاركة دول تحالف الراغبين لوضع النقاط على الحروف لمواجهة «داعش».. وكذلك تقاطع مع تصويت مجلس النواب الأميركي، وبعده مجلس الشيوخ، بالموافقة بأغلبية تجاوزت ثلثي أعضاء المجلسين على خطة الرئيس أوباما الرامية لتدريب وتسليح «المعارضة السورية المعتدلة» وتدريب 5000 مقاتل من «الجيش السوري الحر» في دول في المنطقة، وتخصيص مبلغ 500 مليون دولار لذلك. وعلى رغم عدم تخصيص منظمي المؤتمر أي جلسة من جلساته السبع على مدى يومين لهذا الموضوع، إلا أن «داعش» وخطره وتهديده وعبوره للحدود وإلغاءه لسيادة الدول ظل حاضراً، حيث بات ذلك التنظيم الإرهابي يشكل أكبر تهديد أمني للمنطقة، وهو ما حذر منه الملك عبدالله وخاصة بعد قرار مجلس الأمن 2170 الخاص بمواجهة خطر تهديد الإرهاب والخاص بمحاربته. ولذا فقد فرض «داعش» نفسه وقفز في كل جلسات المؤتمر، وكان للحديث عن خطره حضور كبير في كل جلسة وعلى لسان كل متحدث وضمن أسئلة معظم المعلقين والمشاركين في النقاش، وكاتب هذه السطور كان منهم.. وخاصة حول تقييم استراتيجية الإدارة الأميركية لمواجهة «داعش»، وقد طرحت بعض الأسئلة التي ناقشتها في مقالي الأخير في «الاتحاد» في الأسبوع الماضي: «الحرب على داعش.. شكوك وتساؤلات»، ووجهت أسئلتي للسفير الأميركي في الرياض، وللنائب العراقي ظافر العاني، ونجيب الغضبان ممثل الائتلاف السوري في الولايات المتحدة الأميركية والأمم المتحدة.. ولم يجب السفير الأميركي عن أسئلتي والشكوك التي طرحتها في مقالي، ولا عن تلك التي سمعتها من الأكاديميين الخليجيين والعرب المشككين في جدية وأهداف استراتيجية الإدارة الأميركية لمواجهة «داعش». ولماذا «داعش» دون غيره؟ وماذا عن التنظيمات الإرهابية الأخرى سُنية كانت أم شيعية؟ وأين الغطاء السياسي لدعمها؟ وقد تجاهل السفير الأميركي الإجابة عن سؤالي، وعن أسئلة أخرى عدة مشككة ومتسائلة عن الاستراتيجية الأميركية.. واكتفى بدعوتنا لزيارته في مقر إقامته لمناقشة الأسئلة.. بينما اتفق معي كل من النائب ظافر العاني من العراق، وممثل الائتلاف الوطني السوري في واشنطن والأمم المتحدة، بتشكيكهما في استراتيجية الإدارة الأميركية الرامية لهزيمة «داعش» كما توعد أوباما. ويبدو أن الأسئلة والشكوك بالثقة في استراتيجية إدارة أوباما التي طرحتها في مقالي الأخير في «الاتحاد» زادت وتشعبت حول جدوى وفرص نجاح استراتيجية الإدارة الأميركية في مواجهة «داعش» بدخول عوامل وتطورات جديدة على الاستراتيجية. فبالإضافة إلى الأسئلة حول غياب دور طهران، ونفي إيران وأميركا التنسيق مع بعضهما بعضاً، ورفض مشاركة الأسد في محاربة «داعش»، والاعتماد على جيش مفكك وطائفي في العراق، وعلى بشمركة الأكراد الذين أثبتوا عدم قدرة على مواجهة «داعش» على الأرض دون غطاء جوي أميركي، هنالك أيضاً مخاطر محاولة «داعش» والمنظمات المتطرفة الأخرى -بما فيها «القاعدة»- ترويج أن الحرب التي تشن اليوم على «داعش» هي حرب على الإسلام، وعلى السُّنة؛ لأنها لا تشمل المنظمات المتطرفة الشيعية، وسيصورها التنظيم مع حلفائه على أنها حملة صليبية ضد الإسلام السني، إلا أن الأمور زادت أيضاً تعقيداً خلال الأسبوع الماضي. فقد قال الجنرال راي أوديرنو الذي قاد القوات الأميركية في العراق قبل انسحابها في عام 2011، إنه قد يكون ضرورياً إرسال وحدات عسكرية تكتيكية قتالية للمشاركة في عمليات حرب برية ضد تنظيم «داعش»، لدعم القوات الأميركية الموجودة في العراق اليوم كخبراء عسكريين، ويُقدر عددها بحوالي 1600 عسكري. ومعظم العسكريين الأميركيين أمر أوباما بإرسالهم للعراق منذ يونيو 2014 على دفعات كمستشارين عسكريين للحكومة العراقية وحكومة كردستان في إربيل وكحرس للمنشآت الأميركية والسفارة. كما أكد الجنرال «أوديرنو» أيضاً أن العملية ستكون طويلة وشاقة وقد تتجاوز 3 سنوات. وكان قائد عسكري آخر، هو الجنرال «ماتيس»، انتقد أيضاً تأكيد أوباما لطمأنة خصوم أميركا بأنه لن تشارك قوات برية في مواجهة «داعش»، بينما تطالب قيادات عسكرية في وزارة الدفاع بإبقاء جميع الخيارات مفتوحة بما فيها إرسال قوات برية. وعدم إرسال قوات برية للمشاركة في مواجهة «داعش» في العراق كان، كما أشرت في مقالي، إحدى نقاط ضعف استراتيجية أوباما لمواجهة التنظيم، لأن القصف الجوي بطائرات F-16 وغيرها ليس استراتيجية تهزم «داعش» وحدها، بل تحتويه وتضعفه فقط. ولكن أبرز تغيير في استراتيجية الولايات المتحدة في مواجهة ذلك التنظيم الإرهابي برز في الأسبوع الماضي من خلال تلميحات وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى أن هناك دوراً لكل دولة في العالم يتعين أن تلعبه للتصدي لـ«داعش» بما في ذلك دور لإيران. وهذا التطور ينسجم مع ما ذهب إليه الوزير كيري قبل أيام في جلسة استماع في مجلس الشيوخ من أنه «قد يكون ثمة دور لإيران، وحتى ربما لسوريا، في مواجهة داعش في العراق إذا ما تعثرت جهود الولايات المتحدة الأميركية في مواجهة التنظيم». وهذا التطور يشكل تحولاً في استراتيجية الولايات المتحدة باحتمال إشراك إيران ضمن التحالف الإقليمي، وعلى ما يبدو فقد كان هناك تحفظ بهذا الصدد في اجتماع وزراء الخارجية العرب مع الوزير كيري والوزير التركي الذي استثنى إيران. وهذا يشكل تحولاً كبيراً قد يؤثر على تماسك التحالف السني الذي اجتمع في جدة مع كيري. ويثير الشكوك ونظرية المؤامرة بأن هناك تحالفاً أميركياً- إيرانياً- سورياً- شيعياً- سرياً في المنطقة لمواجهة «داعش». وقد يقول المشككون، إن الدليل على ذلك عدم تصنيف التنظيمات الشيعية المتطرفة في خانة الإرهابية أو استهدافها ضمن استراتيجية واشنطن في مواجهة الإرهاب والتطرف! والسؤال الآن.. كيف سيؤثر تحالف الأضداد الأميركي مع إيران، وربما أيضاً سوريا مستقبلاً، على التحالف مع الدول العربية وتركيا؟ ويخشى أن يفاقم ذلك عدد من قد يتعاطف مع التطرف الإسلامي السني الذي باتت واجهته «داعش» -وليس «القاعدة»- كحائط صد ضد النفوذ والتغول الإيراني وحلفائه في المنطقة. ولذلك قد تجد «داعش» بيئة حاضنة لها في بعض المناطق السنية في العراق وخاصة، كما أشار النائب العراقي في المؤتمر، بسبب سياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الطائفية والإقصائية للسنة! وفي المجمل، عادت أميركا مرغمة مجدداً في حرب جديدة في المنطقة في ظل تشكيك وتساؤل حول أبعادها وأهدافها وفرص نجاحها. ووسط تناقض بين أعضاء التحالف قيد الإنشاء ودور ومهمات دوله، وما قد يعنيه احتمال ضم إيران وسوريا في المستقبل للتحالف؟ بالإضافة إلى غياب غطاء فكري وسياسي للاستراتيجية، وتشكيك قيادات عسكرية في «البنتاجون»، وساسة في الكونجرس، في نجاعتها.. وكل هذا يترك الكثير من الأسئلة معلقة بلا إجابات.. ولنا عودة، إن شاء الله!