انتصار الديمقراطية في اسكتلندا.. وتعثر سياسة التوجه نحو آسيا تصويت الاسكتلنديين لصالح البقاء في المملكة المتحدة، وجديد المفاوضات حول النووي الإيراني، وعودة أميركا مجدداً إلى الشرق الأوسط، ثلاثة موضوعات استقطبت اهتمام الصحافة الفرنسية. حكمة اسكتلندية اعتبر الكاتب إيفان ريوفول في مقال بصحيفة لوفيغارو أن الديمقراطية هي الفائزة في الاستفتاء الاسكتلندي يوم الخميس الماضي. وجاء المقال قبل صدور النتائج وفشل رهان دعاة الانفصال، ورفض أغلبية الشعب الاسكتلندي لهذه الدعوات مشيراً إلى أن النتيجة من شأنها ترسيخ القناعة برشد وحكمة وعقلانية الشعوب، وعدم الخوف من استشارتها، على رغم كثرة الهواجس التي نمت قبيل الاستفتاء عندما كانت استطلاعات الرأي تشير إلى احتمال فوز دعاة الانفصال والاستقلال. ومن واقع التجربة الاسكتلندية نفسها لم تؤد دعايات لندن السابقة وتهويلها من شأن خطر الانفصاليين الاسكتلنديين إلا إلى دعم موقفهم وتعزيز شعبيتهم. ومنذ لحظة الذهاب إلى صناديق الاقتراع لحسم خيار وطني مصيري كهذا كسبت الديمقراطية نفسها كفكرة وكممارسة، وبهذا تكون بريطانيا قد قبلت التحدي السياسي مهما كان صعباً وبالغ التعقيد، وهذا في حد ذاته درس عميق، لأن الأمم المصطنعة، والدول الهشة، لا يمكنها الاستمرار في عصر العولمة. والإشارة هنا إلى العديد من الدول الأوروبية الأخرى التي تواجه نزاعات من هذا النوع، وإن كانت فرنسا، وهي دولة- أمة، قديمة تاريخياً لا تواجه مثل هذا التهديد. وبدورها نشرت صحيفة لوموند أول من أمس، الجمعة، افتتاحية بعنوان: «حكمة الناخبين الاسكتلنديين» قالت فيها إن أغلبية الاسكتلنديين قالت في النهاية «لا» للانفصال عن المملكة المتحدة وبنسبة بلغت 55% بعدما حبس البريطانيون أنفاسهم ومعهم العالم كله في انتظار نتائج استفتاء يوم الخميس الماضي، وخاصة بعد تواتر تأكيد استطلاعات الرأي تفوق نسبة داعمي الانفصال من القوميين الاسكتلنديين، وإن بفارق صغير، على نسبة مؤيدي البقاء ضمن المملكة المتحدة. وقالت الصحيفة إن أغلبية الاسكتلنديين قررت في النهاية تأكيد هويتها وعدم التفريط في وحدة وطنها، حيث رأى الناخبون أن المرء يمكن أن يكون اسكتلندياً وبريطانياً في الوقت نفسه، مؤكدة أن هذه النتيجة استقبلت بكثير من الارتياح في مقر البرلمان البريطاني، في ويسمنستر، بقدر ما استقبلت أيضاً بارتياح مماثل من قبل حكومة ديفيد كاميرون. والحال أن اتحاد المملكة المتحدة قديم وممتد زمنياً منذ 307 وقد استطاع البقاء والاستمرار طيلة هذه الفترة على رغم ما مر بالبلاد من تيارات وأهواء وحروب عالمية وغير عالمية. وها هي المملكة تنجح في الامتحان مرة أخرى يوم الخميس الماضي، لتشرق عليها شمس الجمعة وهي محافِظة على مكوناتها الأربعة: إنجلترا، واسكتلندا، وبلاد الغال، وإيرلندا الشمالية. ومن حق رئيس الوزراء المحافظ ديفيد كاميرون أن يسعد بنجاته هو أيضاً من أن يصبح أول رئيس وزراء يخسر اسكتلندا. وبهذا تبقى ضمن المملكة المتحدة، وتستطيع تشكيلات نخبة الحرس الاسكتلندي الاستمرار في الاستعراض أمام مداخل قصر باكنهجام، تقول لوموند. وفي افتتاحية أخرى بصحيفة ليبراسيون تحت عنوان: «اسكتلندا: الديمقراطية ضد الرومانسية» قال الكاتب بيير سيرجان إن جواب الاسكتلنديين جاء واضحاً وصريحاً ودون أي غموض. إنهم لا يريدون الاستقلال. وقد قالت نسبة 55% منهم في المدن والقرى والضواحي، وفي البراري والبحيرات، «لا» للحزب القومي الاسكتلندي، الذي نظم الاستفتاء على رغم عدم ارتياح لندن لذلك. واعتبر الكاتب أن هذه النتيجة المحبطة لتطلعات دعاة الاستقلال الذين يريدون إنشاء دولة جديدة، لا تعني مع ذلك أن اسكتلندا ليست بلداً وأمة. فلاسكتلندا ثقافتها، وثقافتها السياسية الخاصة، ويعرف عنها ولاؤها لأوروبا، والميل نحو مقولات اليسار، وفيها نزوع طاغٍ نحو قيم التضامن، ولها هويتها القوية والخاصة، التي تجعل الاسكتلنديين، في كل الأحوال، مختلفين عن «الإنجليز». وهذا ما تدركه لندن المحتفلة بالانتصار المتواضع، على نحو ما أظهر ذلك كاميرون في يوم الجمعة مع ظهور النتائج لصالح البقاء في المملكة المتحدة. ومع هذا يلزم الاعتراف أيضاً بأن الاسكتلنديين يتمتعون باستقلال ذاتي سياسي واسع، بوجود برلمان، ورئيس وزراء ومؤسسات خاصة. وقد وعد كاميرون بتوسيع هوامش الحكم المحلي في إطار اتحاد مرن ومجدد. وسيكون على الاستقلاليين الآن أن يعرفوا ما إن كانت هذه المقايضة السياسية تستجيب هي أيضاً لتطلعاتهم، أم أنهم سيظلون متمسكين بحلمهم الذي لاقى الرفض الشعبي الصريح بطريقة ديمقراطية، لا لبس فيها ولا يخامرها الشك. ماراثون «النووي» في صحيفة لوفيغارو نشر الكاتب جورج مالبرينو تحليلًاَ سياسياً مطولاً تحت عنوان: «النووي الإيراني: بحثاً عن صيغة سحرية، حسب فرانسوا نيكولو»، و«نيكولو» المشار إليه هو سفير فرنسا السابق في طهران، ويستعرض المقال رأيه وتحليله لمسار ماراثون المفاوضات الجارية حول سبل تسوية مشكلة الملف النووي الإيراني. واعتبر الكاتب أن تحليل السفير السابق يأتي في وقته تماماً، وقد صدر تزامناً مع لقاء الدبلوماسيين في نيويورك يوم الخميس الماضي ضمن جولات التفاوض المستمرة. وقد بات الوقت الآن ضاغطاً حيث يتعين التغلب على كثير من العقبات التي تحول دون إمكانية التوصل إلى تسوية قبل حلول موعد 20 نوفمبر، الذي حدده الطرفان سلفاً كموعد مستهدف لإنهاء هذه الأزمة. والمشكلة الأكبر الآن أن كل جهود التفاوض التي جرت لم تتمكن بعد من تجاوز عقبة قضية تخصيب اليورانيوم، وهي ما زالت تمثل عقدة حقيقية على طريق مفاوضات مجموعة 5+1 مع إيران، حيث تخيم ظلال كثيفة من الشك على فرص اجتراح اتفاق في الموعد المرغوب، لأن قضية التخصيب بالذات من بين جميع القضايا الشائكة العالقة الأخرى يمكن أن تؤدي إلى فشل العملية برمتها، على نحو تذهب معه جهود سنة كاملة من التفاوض أدراج الرياح، في نهاية المطاف. وقال الكاتب إن من أفضل الاقتراحات التي قدمت للخروج من مأزق قضية التخصيب ذلك الذي عرضه روبرت إينهورن، المستشار السابق للخارجية الأميركية، وكذلك مقترحات مجموعة الأزمات الدولية، ولجنة مراقبة الأسلحة، وكلها تصب في فكرة السماح لإيران بعدد أقل من أجهزة التخصيب الآن، مقابل التعهد بالسماح بعدد أكبر في المستقبل. وهذا يقتضي من طهران قبول تفكيك معظم أجهزة التخصيب الموجودة بحوزتها الآن، وبعد ذلك يمكن المطالبة لاحقاً برفع نسبة التخصيب المسموح بها، وخاصة بعد بناء الثقة الكافية لدى المجتمع الدولي بشأن سلمية برنامجها النووي، وأيضاً عندما تصبح صناعتها النووية في حاجة فعلية إلى ذلك. واعتبر الكاتب أن الإيرانيين قد يجدون صعوبة، لأسباب رمزية، في تفكيك جزء من التسعة آلاف جهاز طرد مركزي نشط بحوزتهم. وفي المقابل لا يستطيع الغربيون أيضاً المجازفة بتقديم تنازل بشأن التخصيب، أقله لوجود مخاوف جدية بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني الحقيقية، ومدى سلميّته، وسقف أهدافه النهائية. وفي الأخير لم يرجح الكاتب قرب التغلب على أي من المشكلات التي تعرقل التوصل إلى اتفاق، مما يعني أن أزمة النووي الإيراني ستبقى قائمة، ما لم يظهر ضوء في نهاية النفق في أي وقت آخر مقبل. سياسة أوباما الآسيوية نشرت صحيفة لوموند مقالاً تحليلياً للكاتب برتليمي كورمون، وهو باحث بمعهد البحوث الدولية والاستراتيجية الفرنسي ومقيم بالصين ويرأس تحرير نشرة «لوموند الصينية»، تساءل في عنوانه: «سياسة التوجه الأميركي إلى آسيا.. هل أدركت نهايتها؟»، مبرزاً في البداية إعلان أوباما أمام أركان وزارة دفاعه في يوم 5 يناير 2012 عن سياسته الدفاعية والاستراتيجية الجديدة القاضية بالتركيز على محور آسيا، وهو ما فهم حينها على أنه فك للارتباط، بمعنى ما، مع الشرق الأوسط والقارة العجوز، ورغبة في إعادة التوازن إلى القارة الصفراء التي تشهد صعود المنافس الصيني. ولكن بعد مرور قرابة سنتين ونصف السنة لا غير عادت الولايات المتحدة لمستنقع الصراعات والأزمات في الشرق الأوسط، وأعادت اكتشاف صعوبة، إن لم يكن استحالة التوجه نحو الشرق وطي صفحة التزاماتها في الشرق الأوسط والقارة العجوز، حيث فرض عليها تفاقم خطر تنظيم «داعش» الإرهابي العودة للعراق منذ أواخر شهر أغسطس الماضي لتنفيذ ضربات ضد التنظيم، والاشتباك مع الأحداث الملتهبة في بلاد الرافدين من جديد، تماماً مثلما فرضت عليها الأزمة الأوكرانية أيضاً العودة لأجواء الاصطفاف وتجديد الالتزام في القارة الأوروبية. وفي الأخير ذهب كاتب التحليل إلى أن واشنطن ستبقى عالقة في العالم القديم، ولن تتمكن من التفرغ لسياسة إعادة التموضع تجاه آسيا، في المدى المنظور. إعداد: حسن ولد المختار