كيف يمكن لأي متحف أن يُعرض بشكل لائق كل ما في خزائن وسراديب مصر من آثار الحضارة الفرعونية، إحدى أعظم حضارات العالم وأقدمها؟ وما المبنى القادر على أن يعكس مكانة وروعة وأبهة تلك المدينة العريقة التي خلبت الألباب عبر العصور، ولا يزال المصريون يكتشفون المزيد من آثارها، من مختلف الأحجام والأنواع، وبكميات لا تصدق، كلما حفروا لأي مشروع، أو باشروا أي بناء؟ مصر منذ فترة، في سباق مع الزمن لإنجاز «المتحف الكبير» تحت سفح أهرامات الجيزة، إحدى عجائب ومعجزات الدنيا السبع، والذي تقول عنه الصحافة إنه «المتحف الذي سيضم آثارها وكنوزها الحضارية المتنوعة على مر التاريخ، ويعد أكبر المتاحف الأثرية في العالم». (الشرق الأوسط، 16 - 08 - 2014). ويعقد المصريون آمالاً عريضة على استكمال بناء هذا المتحف في مجال تنشيط وإنعاش السياحة، حيث طالب رئيس الوزراء بوضع تصور كامل عن كفية التسويق للمشروع عالمياً، لوضعه في قائمة المزارات السياحية العالمية. وقد عرض وزير الآثار تقريراً حول مراحل تنفيذ مشروع المتحف المصري الكبير جاء فيه أن مساحته 117 فداناً، والفدان يساوي 4200 متر مربع، ويتميز المتحف بموقع يطل على أهرامات الجيزة، وسيكون من أهم متاحف العالم، تقول التقارير إن زائريه سيكونون ما بين 5 إلى 8 ملايين زائر سنوياً. كشف وزير السياحة عن أن العمل في المتحف يعاني من البطء بسبب نقص التمويل، مرجحاً أن يكون افتتاحه مع نهاية عام 2017، في حين كان الوزير السابق، د. محمد إبراهيم قد صرح عدة مرات «أن الموعد الذي حددته الوزارة للانتهاء من المتحف المصري الكبير في 2015 يعد موعداً نهائياً لا رجعة فيه، مؤكداً أن الأعمال والإنشاءات ومراحل الإنشاء تشيّد وفق الخطّة الموضوعة والمدى الزمني المحدد». ويقول جمال القصاص، معد التقرير في الصحيفة، إن مصر أطلقت حملة لتمويل المشروع الذي تقدر تكلفته نحو 50 مليون دولار، حيث قدمت اليابان مساهمة خاصة بـ 300 مليون كقرض ميسر، كما أقيم معرض للآثار المصرية في لوس أنجلوس بالولايات المتحدة لجمع المال لدعم المشروع، تحت شعار «توت عنخ آمون والعصر الذهبي الفرعوني». ومن المقرر أن يضم المتحف الكبير أكثر من مائة ألف قطعة أثرية من العصور الفرعونية والقبطية واليونانية والرومانية، إضافة إلى أن باحة المدخل الرئيسي للمتحف سيتصدرها تمثال عملاق للفرعون رمسيس الثاني، أشهر ملوك مصر. وقال أحد المسؤولين إنه تم الانتهاء من ترميم وتجهيز أكثر من نصف القطع الأثرية التي نقلت إلى مخازن المتحف، كما تم تدريب 350 عاملاً في 22 دورة تدريبية. ويقول تقرير آخر إن المشروع يبعد عن منطقة أهرامات الجيزة الأثرية بكيلو مترين فقط، «ورغم أهمية هذا الحدث، فإن الرأي العام في مصر مشحون بقضايا السياسة، ولا يلتفت إلى ما يدور في صحراء الأهرامات». وعن «آخر الآثار المصرية المكتشفة»، يقول د. حسين عبد البصير، مدير مشروع المتحف الكبير، لصحيفة الشرق الأوسط، «إن للملك خوفو مركبين، الأولى تم اكتشافها عام 1954، وتم ترميمها، أما هذه المركب - الثانية التي اكتشفت قبل عام - فجسمها الرئيسي ما زال تحت الأرض». وهي عبارة عن طبقات متعددة. وأضاف: «نحن نعمل الآن في الطبقات السطحية للمركب، وبعد ذلك سيتم ترميمها ونقلها إلى المتحف الكبير». ويقول عبد الستار حتيتة في تقريره في الصحيفة، إن المشروع يحظى باهتمام دول ومنظمات عالمية خاصة اليابان، «ولا يمضي أسبوع إلا وتجد مجموعة من السفراء تتفقد اللمسات التاريخية للبناء المتحفي الأضخم». ولا تزال بانتظار العاملين في المشروع تحديات ضخمة خلال الأشهر المتبقية، وهي نقل القطع الأثرية العملاقة من مختلف مناطق جنوب مصر وشمالها إلى موقع المتحف بالجيزة. والتمثال الوحيد الضخم الذي تم نقله بالفعل يعود للملك رمسيس الثاني، البالغ وزنه 83 طناً، جرى عام 2006. من وسط القاهرة إلى منطقة المتحف الجديد. وقد تم إخلاء خط سير التمثال، حيث جرت العملية التي بلغت كلفتها نحو 6 ملايين جنيه بوساطة روافع عملاقة، وتم بث وقائها عبر شاشات التلفزيون. ويقول الدكتور عبد البصير: «نعم.. هناك المزيد من القطع الأثرية التي يبلغ وزنها عشرات الأطنان، وسيكون نقلها خلال الفترة القادمة حدثاً كبيراً في حد ذاته»، خاصة أنها ستنقل عبر مسافات طويلة، مشيراً إلى أن «معظم القطع الأثرية الكبيرة ستنقل من مناطق مهمة مثل أسوان التي تبعد نحو 800 كيلو متر عن المتحف الجديد. ومن بين ما سيتم نقله تماثيل تخص ملوك مصر القديمة من بينهم الملك أمنحتب الأول والملك أحمس الثاني في جنوب البلاد، وتماثيل أخرى لرمسيس الثاني في صان الحجر بالدلتا شمالاً». ويقول عالم الآثار المصري «زاهي حواس»، إن المتحف المصري الكبير «يحتوي قاعات للدرس والتدريب ومركزاً إدارياً على أعلى مستوى كنا نطمح في أن يكون منارة علمية ترفع من شأن العمل الأثري ليس في مصر وحدها.. وعندما كنت مسؤولاً عن آثار مصر وضعتُ خطة متكاملة لتخريج الأثري والمرمم العربي بالمعايير العالمية من المتحف المصري الكبير». غير أن «حواس» أشار في المقال نفسه إلى موجة «اليأس التي تزداد يوماً بعد يوم من عدم قدرة مصر على استكمال وافتتاح المتحف المصري الكبير»، وطالب بـ «ضرورة فصل المتحف عن وزارة الآثار»، وتحويله إلى مشروع مستقل ذاتي التمويل! وتبحث الحكومة المصرية عن حلول جديدة ومبتكرة كذلك، لإنقاذ «القاهرة التاريخية»، على رأسها 31 موقعاً مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي. وقد تعرضت للإهمال، مثل أشياء كثيرة أخرى خلال السنوات الثلاث الماضية، مما عرض ما يزيد على 700 أثر مسجل للخطر. وقد شكل رئيس الحكومة مجموعة عمل تضم عشرة وزراء لوضع برامج عاجلة لحماية تراث «القاهرة التاريخية»، وإخلاء المواقع الأثرية من الإشغالات وإعادة توظيفها، ولا تزال ثمة معوقات في هذا المجال، وفي إنجاز أعمال نظافة الأماكن الأثرية السياحية. وإلى جانب متحف الجيزة الكبير الذي تحدثنا عنه، والذي سيكلف 550 مليون دولار، هناك «متحف الحضارة المصرية» بمنطقة الفسطاط في مصر القديمة. ومن المقرر أن يستوعب المتحف 50 ألف قطعة أثرية، إلى جانب نماذج وصور فوتوغرافية ومخطوطات ولوحات زيتية وتحف فنية وآثار من العصر الحجري والفرعوني واليوناني والروماني والقبطي والعربي. لقد أعجب الرحالة دوماً بمدينة القاهرة، واعتبروها من أجمل وأعظم مدن الشرق، وقد لا يفوقها مدينة أخرى حتى مدينتي الآستانة ودمشق، التي قال الرحالة الفرنسي «بواتو» أنهما «لا تملكان سحر القاهرة». وقد أعطت القاهرة لـ«شاتوبريان» إحساساً بأنها مدينة ألف ليلة وليلة وأنها عاصمة العالم، «فهي المدينة الوحيدة التي أعطتني فكرة وطابع الشرق». وقال عالم الآثار الفرنسي شامبيليون «إنني أعشق تأمل مدينة الألف مئذنة، لقد حازت القاهرة إعجابي على الرغم من الانتقادات التي وجهت إليها». ولكن الرحالة الفرنسيين في القرن التاسع عشر أشاروا إلى أن المدينة «تفتقر إلى النظام» وبأنها «ضيقة ومظلمة»، كما وجدها «فوربان» «سيئة ومتربة»، وكتب «أدمون أبو» أن القاهرة «بنيت بالصدفة»! ومن آثار مصر الشهيرة التي تعاني منذ فترة ما تعاني «أبو الهول»، أشهر مريض غامض في التاريخ! وحين أعلن وزير الآثار المصري «ممدوح الدماطي»، أواخر أغسطس الماضي 2014 في مؤتمر صحفي، بدء ترميم تمثال أبو الهول الأثري في منطقة أهرامات الجيزة غرب القاهرة، بدأ جدل واسع بين علماء الآثار والنحاتين والمرممين، بخصوص أبو الهول الذي اعتاد علماء المصريات على وصفه بـ «أقدم مريض في التاريخ»، وبخصوص طبيعة الترميمات المطلوبة حرصاً على هذا الأثر الخالد، وحمايته من المياه الجوفية والرياح القاسية والتصحر، حيث يؤكد أحد مفتشي الآثار بثقة، «سيبقى أبو الهول إلى آخر الزمان»، يراقب بصمت وحكمة تطور تاريخ الإنسان!