في يوم 12 فبراير 1979 سقط نظام الشاه بهلوي وأعلن الخميني قيام الجمهورية الإسلامية. وبمجرد استيلاء الخميني على السلطة، قابل الرئيس الأميركي جيمي كارتر ذلك بترحيب، ووصف النظام الإيراني الجديد بالصديق، رغم الاعتداءات التي تعرضت لها السفارة الأميركية في طهران! وكان كارتر، بالتعاون مع بريطانيا، قد عقد العزم على عزل الشاه والاستعانة بالمتاجرين بالدين من الشيعة لحكم إيران، وكان لديه فريق عمل يسعى لإسقاط الشاه، يتكون من سياسة ومختصين في شؤون الشرق الأوسط وإيران ومسؤولين استخباراتيين وعملاء من جهاز الاستخبارات البريطانية، وكذلك التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين»، والذين كانوا ينسقون بين الخميني والاستخبارات الغربية. كانت الاستخبارات الأميركية معجبة بالدهاء الاستخباراتي البريطاني في اللعب بورقة الدين واستخدام الأصولية الإسلامية كسلاح في مواجهة الأعداء، وهذا ما فعله الأميركيون في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي. وفي عام 1977 تم استعمال سلاح الحرب النفسية ضد الشاه، بتوجيه الأوامر إلى الملالي للتظاهر، وبدورهم قام الملالي بدعوة البسطاء من الشعب الإيراني للتظاهر، والذين كانوا ينخدعون لكلمات جياشة ومنافقة يطلقها كل مَن لبس عمامة وعباءة! وفي عام 1978 ازدادت الاضطرابات في إيران فقام الشاه بتغيير الحكومة وتعيين جمشيد أموزيغار رئيساً للوزراء، والذي بدوره اتخذ موقفاً عدائياً من رجال الدين وأوقف المعونة المالية المخصصة لهم، وألقى القبض على بعضهم، بينما كان الشاه يعتقد أنه لا خوف من التصعيد مع الملالي؛ كونه تحت حماية جهاز الاستخبارات «السافاك»، لكن الحقيقة أن رئيس الجهاز، الجنرال حسين فردوست، خان الشاه وانضم سراً إلى الخميني. ومع استمرار أعمال الشغب ساهمت هيئة الإذاعة البريطانية الناطقة بالفارسية في تأجيج الأوضاع الداخلية الإيرانية، وفي ذات الوقت تصاعدت الاحتجاجات بتحريض من الملالي الذين كانوا يمطرون الخميني بوابل من المدائح، ووصل عدد المتظاهرين ملايين الأشخاص في الشوارع.. فأصدر الشاه أوامره بإعلان الأحكام العرفية. وفي خضم هذه الاضطرابات قام العراق بوضع الخميني (كان مقيماً في النجف) تحت الإقامة الجبرية، لكن فرنسا منحته اللجوء السياسي، ربما بناءً على طلب من الشاه معتقداً أنه في حال مغادرة الخميني إلى فرنسا سيتخلص منه، لكن عكس ذلك هو ما حدث، إذ استغل الخميني وضعه في فرنسا للحديث بكل حرية مع وسائل الإعلام الدولية، وبث خطبه الدموية المحرضة على العنف. كان مقر الخميني في فرنسا يعج بمريديه من عملاء الاستخبارات الغربية، وابتداءً من يناير 1979 كان الشاه يحاول التماسك، وقام بإحالة رئاسة الوزراء إلى شهبور بختيار، على أمل إرضاء الجماهير الغاضبة، وحاول بختيار الحفاظ على العرش الشاهنشاهي بحل مشاكل الامتيازات النفطية مع بريطانيا، ووقف الأحكام العرفية، وإلغاء جهاز «السافاك»، كما حاول التصالح مع المتأسلمين.. لكن الخميني رفض الصلح ودعا إلى المزيد من الفوضى والدمار، بينما كان الجيش الإيراني محايداً ولم يقف مع حكومة بختيار لإنقاذ العرش الشاهنشاهي من السقوط، ما مهّد الطريق لعودة الخميني إلى إيران يوم 1 فبراير 1979، معلناً سقوط حكومة بختيار الذي حاول مجدداً الدخول في مفاوضات تصالحية مع الملالي. وفي يوم 9 فبراير 1979 وقّع جنرالات رئاسة الأركان الإيرانية إعلان «الحياد» تجاه الفوضى الحاصلة في البلاد، لكنهم دفعوا الثمن غالياً إذ تم الزج بأغلبهم في السجون بعد استيلاء الخميني على السلطة. أما الآخرون فتمت تصفيتهم بالقتل، ولم يبق على قيد الحياة منهم إلا من والى الخميني. كان الجنرال الإيراني غاراباغي رئيس الأركان على علم بأن إيران ستقع فريسة سهلة بيد المتأسلمين، وهذا ما عارضه آخرون في رئاسة الأركان، لكن غاراباغي أعدَم رمياً بالرصاص كل من عارضه، وبذلك أصبح الجيش الإيراني في حالة من الانقسام والاضطراب، الأمر الذي ساعد الخميني على تأسيس جهاز استخبارات خاص به تحت مسمى «السافاما»، واختار الجنرال الذي خان الشاه ورئيس «السافاك» السابق، حسين فردوست، لإدارة الجهاز الجديد. وازداد الأمر سوءا بفرار كبار ضباط الجيش الإيراني نحو الخارج. ورغم وصف الخميني، بعد استيلائه على السلطة، الولايات المتحدة بـ «الشيطان الأكبر»، فإنها كانت مستمرة في دعمه، وقد خصصت جسراً جوياً لشحن الأسلحة وتعزيز سلطته! أما الشاه فغادر إيران نهائياً يوم 16 يناير 1979 بضغط من شهبور بختيار، وتوفي يوم 27 يوليو 1980 في مصر. أما شهبور بختيار الذي استعمل لغة الصلح والتفاهم مع الخميني، فاستعمل معه الخميني لغة «التصفية»، إذ تم اغتياله في فرنسا التي فر إليها. أول من هنّأ الخميني هم «الإخوان المسلمون»، فقد أرسل مرشدهم حينها، عمر التلمساني، وفداً برئاسة يوسف ندا لتهنئة الخميني عام 1979؛ العام الذي شهد تأسيس أول جماعة للإخوان المتأسلمين في إيران برئاسة شخص يُدعى «ناصر سبحاني»، رغم أن النظام القانوني للخميني يمنع كل ما هو سني، لكن للـ«السافاما» ترخيص خاص ليس بالضرورة أن يكون قانونياً! فعلاقة الخميني بالإخوان عميقة جداً، فذلك الخميني الشاب في ثلاثينيات القرن الماضي كان في غاية الإعجاب بمؤسس جماعة الإخوان الإرهابية حسن البنا، وسجّلَ التاريخ أول لقاء جمعهما معاً في عام 1938 في مقر الإرشاد بمصر، وطلب الخميني من البنا تأسيس جمعية للإخوان في إيران، وهذا ما حصل عام 1979. تلك الزيارة الخمينية لزعيم «الإخوان»، حسن البنا، لم تكن مجرد زيارة عابرة، فالخميني لم يكن حينها مشهوراً أو معروفاً بالمقارنة مع علماء شيعة إيرانيين آخرين مثل المرجع محمد تقي القمي، لكنه كان مشروعاً إخوانياً مستقبلياً، أما القمي فكان على علاقة وثيقة بالبنّا خصوصاً في إطار نشاطات «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، والتي كانت تحمل في طياتها الكثير من الأجندات السياسية، وسبق للبنّا أن التقى أحد كبار علماء الشيعة، هو آية الله الكاشاني، وذلك في عام 1948 -أي قبل أقل من عام من اغتيال البنّا- وتفاهم معه حول آلية «تقريب» التعاون، كونه (البنّا) عميلا للاستخبارات البريطانية، والملالي الشيعة بحاجة إلى من يقربهم للاستخبارات الغربية للاستيلاء على السلطة، وتحويل الدول العربية والإسلامية إلى دول ثيوقراطية متخلفة يتحكم بها المتأسلمون. وأخيراً، لم يمنح التنظيم الإخواني حسن البنا الفرصة حتى يشاهد ثمرة إنجازه المستقبلي (أي صعود الخميني عام 1979)، أو حتى يوم وصول محمد مرسي إلى سدة الرئاسة في مصر عام 2012، لأنه ارتكب خطأ شنيعاً عندما قال: «ليسوا إخوانا ولا مسلمين»! فتمت تصفيته. الخميني صاحب المقولة الشهيرة عند قبول إيران بوقف إطلاق النار مع العراق: «أشعر كأني أتجرع كأس السم»! ذلك هو الخميني الذي مات من أجله ملايين الإيرانيين! هكذا هو حال الدول الثيوقراطية، محكوم عليها بالفشل لأنها عبارة عن دمى!