إسرائيل هي دولة الإرهاب المنظم في منطقتنا والعالم. تمارسه ضد الشعب اللبناني بكل الأشكال والأساليب والوسائل وتدّعي أنها الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة تحيطها أنظمة قمع واستبداد وأنها ضحية الإرهاب، فتدعو إلى التصدي له وتوفير كل الضمانات الأمنية والاستراتيجية لحمايتها! اليوم، وأمام محاولة بناء تحالف دولي إقليمي لمواجهة «داعش»، بعد الأعمال الوحشية الإرهابية التي قام بها، تسعى إسرائيل إلى استغلال هذه المحاولة للاستفادة من التحالف في كل الاتجاهات وعلى كل الجبهات، لتحقيق أهدافها وهي خارجة من الحرب على غزة متهمة باستباحة وانتهاك حقوق الإنسان، والقرارات الدولية وبارتكاب مجازر جماعية بحق الشعب الفلسطيني في كل الأماكن بما فيها المدارس ومؤسسات الأمم المتحدة، ويمكننا في هذا السياق تسجيل الملاحظات التالية: - سياسياً، تُذكّر إسرائيل ما يُسمى بالمجتمع الدولي وخصوصاً حلفاءها الغربيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، بأنها كانت أول من دعا إلى مواجهة الإرهاب الذي يهدد أمنها! وتقول من خلال كل المسؤولين: «ها أنتم جئتم منذ سنوات من كل مواقع الأرض إلى أفغانستان لمواجهة الإرهاب والحد من خطره! ثم جئتم إلى العراق لتخليص المنطقة من إرهاب صدام حسين وأسلحة الدمار الشامل المهددة للأمن والسلام والاستقرار في العالم وليس في المنطقة فقط. وأنتم اليوم تحاولون تشكيل تحالف دولي إقليمي تنخرط فيه دول من كل قارات العالم لمواجهة إرهاب «داعش»، أفلا يحق لنا أن نواجه الإرهاب على أرضنا؟ داخل بلادنا؟ وأنتم، وبعد الحرب الأخيرة في غزة تحاولون في الوقت ذاته نزع سلاح المنظمات الإرهابية هناك بما يؤكد صوابية وجهة نظرنا! - لقد أصبحت إسرائيل الدولة الديموقراطية الوحيدة في المنطقة محاطة بأنظمة استبداد وقمع وبتنظيمات إرهابية ساهمت بعض الأنظمة في إنتاجها. فماذا تريدون منا؟ عندما تصبح ثمة تنظيمات إرهابية في سوريا ومصر وعلى أبواب الأردن، فماذا نفعل نحن إضافة إلى ما نواجهه على أرضنا؟ إننا نريد سلاحاً وضمانات أمنية، ويحق لنا اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بحماية شعبنا وأمن دولتنا. ولذلك كفوا عن انتقادنا أو عن مطالبتنا بإجراءات ما. لسنا مستعدين لفعل أي شيء نرى فيه إمكانية لاختراق أمننا وتهديد مستقبل أبنائنا. - ومن هذا المنطلق تدّعي إسرائيل أن سبب عدم الاستقرار في المنطقة ليس الصراع العربي - الإسرائيلي أو الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وأن ما يهدد المنطقة ليس عدم الوصول إلى حل للقضية الفلسطينية، ويتم التركيز السياسي والإعلامي على القول: خمسون يوماً من الحرب في غزة. أين كان العرب؟ كان يقتل بعضهم بعضاً. ما لحق بالعالم العربي ودوله من خسائر مادية وبشرية خلال أشهر، فاق بكثير كل ما خسروه في الحروب مع إسرائيل. ما ارتكبوه بحق بعضهم لا يقاس بشيء مما حصل في حروبهم ضدنا! هم أنفسهم يقدمون اليوم أولوية مواجهة خطر إرهاب «داعش» على أي أمر آخر! والكل يتحدث عن مخاطر الفتنة المذهبية السُنية - الشيعية التي لا علاقة لنا بها كدولة يهودية لا عقيدة ولا سياسة ولا ديناً. إنهم يقتلون بعضهم بعضاً ويهددون أمن المنطقة، وكل من لا تعجبهم سياسته. فماذا تنتظرون منا سوى العمل على حماية أنفسنا من هذا الخطر؟ - استمرار هذه الحروب في الداخل وتحت عنوان مواجهة الإرهاب يؤدي إلى إنهاك العرب وانشغالهم وتعميق انقساماتهم والفوضى في بلادهم المهددة بالتفكك، وتدمير المؤسسات والجيوش، وهذا ما يفيد إسرائيل التي تسعى إلى التوسع في فلسطين ومصادرة المزيد من الأراضي وقد صادرت 6000 دونم في الضفة الغربية حتى الآن، وتسرّع في بناء المستوطنات. - تمارس إسرائيل ضغطاً على أميركا منذ فترة طويلة بشأن الملف النووي الإيراني وتحاول عرقلة الوصول إلى اتفاق نهائي مع إيران. اليوم تستغل الحرب على الإرهاب ودور إيران في ذلك لتحذر من خطر تسريع هذه الحرب في الوصول إلى اتفاق مع إيران. نجحت إسرائيل حتى الآن في عرقلة هذا الأمر. ولاتريد اتفاقاً إلا بموافقتها. هي الطرف الأساس في المنطقة، وهي تستغل جنوح أميركا نحو التحالف المذكور، وانشغال إدارة أوباما بالانتخابات النصفية في الكونجرس وإسرائيل عنصر مقرر وفاعل في نتائجها. إنها تمارس سياسة الابتزاز المفتوح في كل الاتجاهات. - لم تتمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها الأساسية في الحرب الأخيرة على غزة بعد خمسين يوماً من الإرهاب المنظم الذي مارسته. أظهر الشعب الفلسطيني قوة وقدرة على التماسك والصمود لا مثيل لهما. وفي المفاوضات كان الموقف الفلسطيني في الظاهر قوياً واستطاع تحقيق نتائج إيجابية كثيرة. لكن سرعان ما عاد الفلسطينيون إلى الانقسام الواضح. نُشرت محاضر جلسات «أبومازن» وخالد مشعل، وفيها من الاتهامات والكلام القاسي ما يمكن أن يقال أكثر منه في الاجتماعات الداخلية لكن عندما ينشر بهذه الطريقة، فهو يضعف الفريقين اللذين أظهرا مواقف متباعدة وسريعة بعد وقف إطلاق النار، حول الشرعية والسلطة في غزة والجهات التي يجب أن تمسك بزمام الأمور وتدير عملية إعادة الإعمار، والخطوات المنوي اتخاذها للتوجه مجدداً إلى الأمم المتحدة لانتزاع قرار الدولة وحدود الـ 67، في ظل حكومة سموها حكومة وحدة وطنية، لكنها لا تمارس دورها هناك. وبالتأكيد إسرائيل لا تريد «حماس»، ولا تريد السلطة إلا في وجه بعضهما! هذه المواقف الفلسطينية المختلفة أضعفت الطرف الفلسطيني وجعلت إمكانية استغلاله من قبل الإسرائيلي كبيرة جداً، وهذا ما حصل. فظهرت إسرائيل وكأنها هي الرابح في الحرب، وإذا خسرت شيئاً فهي تعوضه عن طريق استغلال الوضع الفلسطيني المنقسم. وكأن كل ذلك لم يكن كافياً حتى صدرت مواقف للقيادي في «حماس» موسى أبو مرزوق خلقت بلبلة كبيرة في الوسط الفلسطيني وخارجه، عندما قال: «إن التفاوض مع إسرائيل ليس محرماً شرعاً». جواب السلطة و«فتح» إن: التحالف خارج الشرعية خيانة! و«حماس» أصدرت مواقف متلاحقة تؤكد أنها لن تفاوض إسرائيل مباشرة. هذه المواقف أربكت الفلسطينيين، وذهبت إسرائيل تتصرف على أساس أن أعداءها وبعد الحرب عليها يتسابقون على التفاوض معها، فلماذا لاتفرض شروطها؟ وتأخذ وقتها؟ هذه هي إسرائيل، وهذه هي محاولات استغلالها للتحالف الدولي ضد «داعش» وللخلاف الفلسطيني الفلسطيني، وهي تعمل على أساس أن أفضل الاستثمارات في المنطقة هي الحروب المذهبية والطائفية، وللأسف العرب غارقون فيها، وأخشى أن يكونوا أول المستهدفين بالإرهاب، هذا مؤكد، وبالتالي بالتحالف الذي يركّب لمواجهته، لأنه سيدخلهم في حرب استنزاف طويلة ستكون كلفتها السياسية والمالية والأمنية كبيرة، وستحاول أميركا ومن معها أن تخرج منها دون أي كلفة تفادياً لتكرار التجارب السابقة، وأشك أيضاً في ذلك. لكن ما يهمنا أن نحفظ ما تبقى لدينا كعرب، فهلا فكرنا في ما ينتظرنا وفي نتائج المواجهة المبنية، حتى الآن على أسس غير متينة، وغياب ركائز أساسية في المواجهة مثل استبعاد روسيا وإيران، وترددّ تركيا ومصر وغيرهما من الدول؟