يمر المحيط الدولي للخليج العربي بتطورات كبرى تجعل المنطقة غير مستقرة. والملاحظ أن سياسات الدول وما تطرحه النخب المثقفة والمحللون السياسيون الخليجيون تعكس اهتمامات أكبر بما يحدث في دول العالم العربي من قلاقل متناسين ما يحدث في محيط الخليج العربي الآسيوي، خاصة جنوب آسيا الذي يشهد أحداثاً وتطورات تنبئ بالخطر. إن النظام الفرعي الآسيوي يشهد حالياً متغيرات واسعة النطاق وتظهر فيه خصائص جديدة في نفس الوقت الذي يعاد فيه تعريف الخصائص القديمة، فالعناصر التقليدية للقوّة الصلبة تتفاعل الآن مع قضايا القوّة الناعمة الجديدة. وحالياً لا يوجد مظهر وحيد يسيطر، بل مجموعة من المفردات التي تعمل بشكل متشابه وتُؤخذ مجتمعة لكي تشكل النظام الإقليمي الآسيوي. ورغم أن هذه التفاعلات عميقة الجذور التي تحدث في آسيا، ويمكن أن تكون لها تداعياتها الخطيرة على الخليج العربي، خاصة في دول كالهند، وباكستان، وأفغانستان، وإيران وبعض دول آسيا الوسطى، فإن أخذ هذه التفاعلات الخطيرة في الاعتبار لا زال يتم على استحياء. لذلك فإن صناع القرار والسياسيين الذين بيدهم الأمر والمحللين السياسيين والأكاديميين الدارسين للشأن الآسيوي، والصحفيين سواء في الإعلام المقروء أو المرئي أو وسائل الاتصال الجماهيري مطالبون في هذه المرحلة بإعادة تعديل مناظيرهم السياسية والاقتصادية والاستراتيجية ومعايير توازن القوى المرتبطة بها نحو آسيا، والنظر إلى منطقة جنوب آسيا بالتحديد عبر مناظير مركبة عدة لكي تصبح لديهم معرفة كاملة جديدة بهذا النظام المعقد الذي يتطور، فالنماذج والصيغ السهلة المريحة لم تعد كافية لشرح الحقائق الجديدة، التي تظهر على الأرض الآسيوية، أو لكي تقدم وصفات تساعد على اتخاذ خيارات سياسية تحقق مصالح دول الخليج العربي بشكل فعال ومؤثر. إن الواقعية والليبرالية والبراجماتية والبنائية جميعها مناظير مسيطرة في العلاقات الدولية الحديثة، فهي توفر نظرات ثاقبة على الأنماط التي تتصف بها منطقة جنوب آسيا، فالواقعيون ينظرون إلى القوة التقليدية التي توازن بين الدول الرئيسية الفاعلة في شؤون المنطقة، ويركزون على القدرات العسكرية ومعضلات الأمن المتعلقة بالفعل وردة الفعل، أما الليبراليون والبراجماتيون فيهتمون بالاعتماد المتبادل المكثف داخل المنطقة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية، والترتيبات متعددة الأطراف ما بين دول فاعلة ومؤسسات خاصة تعمل كمعوقات لتدخلات أو تنافس بين القوى الكبرى ولاحتمال نشوب الصراع فيما بينها. أما البنائيون فيؤمنون بأن الأنماط الشائعة والهويات العابرة للحدود القائمة على هوية مناطقية أشمل تؤسس لنفسها الآن جذوراً عميقة في داخل العديد من المجتمعات الآسيوية وفيما بينها. لكل من المناظير السابقة نظرته العميقة إلى الأمور، إلا أن أياً منها بمفرده لا يستطيع أن يشرح شمولية التفاعل المتبادل وتأثير ذلك على دول الخليج العربي. لذلك ما يمكن إدراكه هو خمسة مظاهر ذات خطوط عامة تمسك وهي مجتمعة بالتعقيدات القائمة وبجوهر العلاقات الدولية التي تخدم مصالح دول الخليج العربي في القارة الآسيوية إن هي أدركت كنهها بشكل متعمق. وبإيجاز شديد، تلك المظاهر هي: أولاً، أن النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة هو البناء الأمني المسيطر عبر آسيا. وثانياً، أن النظام الإقليمي الذي ظهر حديثاً يتمثل في ضلوع الصين الإيجابي في ما يدور في هامشها الجغرافي، وهو واحد من أهم التطورات في تاريخ آسيا الحديث. ثالثاً، أن العلاقة المتطورة بين الولايات المتحدة والصين معقدة لكنها تتسم بالتعاون الوثيق على صعيد القضايا الثنائية والإقليمية والعالمية. رابعاً، أن العلاقات بين عملاقي آسيا، وربما العالم، الاقتصاديين الصين واليابان تسير من سيئ إلى أسوأ. خامساً، وأخيراً أنه تبرز حالياً جماعة أمنية آسيوية وبناء متعدد الأطراف قائم على سلسلة من الأنماط المشتركة الخاصة بالعلاقات الخارجية والأمن المشترك.