إن أهم ما يحرك القادة والشعوب معاً هو الخيال السياسي. أعني القدرة على تجاوز أزمات الموقف وصعابه وتجاوزها جميعاً مرة واحدة. فالحسابات الصغيرة لا تنتج شيئاً، والرؤى الجزئية لا تدرك شيئاً، فالخيال السياسي هو القادر على رؤية الواقع كصورة شعرية، وليس كحدود جغرافية أو إمكانيات سياسية، وعلى القفز فوق المراحل والوسائل إلى الغايات والمقاصد، والنهاية هي التي تفرض البداية، والنتيجة هي التي تضع مقدماتها. هي المغامرة المحسوبة العواقب التي تلهب مشاعر الجماهير، وتأتي بأفضل النتائج فيما وراء العرف الدبلوماسي والشكل القانوني، ودون ادعاء أو إعلان عن الذات وبطولات «ابن البلد» والعلاج بالصدمات! لقد حقق نابليون انتصاراته بالخيال العسكري، ونقل هانيبال أفياله من قرطاجة إلى روما أيضاً بالخيال العسكري، وأسس الإسكندر الأكبر إمبراطورية الشرق، ودكَّ جنود مصر الساتر الترابي بمدافع المياه أيضاً بالخيال العسكري، والخيال السياسي على مستوى الشعوب والقيادات لا يقل أهمية عن الخيال العسكري إن لم يكن الخيال العسكري أحد مظاهر الفكرة السياسية ذاتها. وتبرز أهمية الخيال السياسي في الفرص التاريخية التي لا تتكرر كثيراً في لحظات توقع الشعوب بروز القيادات التاريخية، في لحظات التحول فيها وتغييرها أو لحظات الخطر الداهم، وما أسهل أن يظهر هذا الخيال السياسي على الصعيدين الداخلي والخارجي. ما أسهل أن يبدأ التغيير إذا ما انتظرته الملايين، وتاقت إليه القلوب، ابتداء من القضاء على الفساد وشتى مظاهر الانحراف! فعلى رغم ما قد يشوب ذلك من أخطاء وتعسف إلا أنه يلهب الخيال، ويؤكد على الطهارة ضد الفساد، والثورة ضد الثورة المضادة. ما أسهل حماية الصناعة الوطنية في مصر والمنتجات المحلية ضد غزو البضائع الأجنبية والاستيراد المفتوح. ويمكن السعي لإعادة توزيع الدخل القومي وتذويب الفوارق بين الطبقات، ورفع الحد الأدنى لأجور العاملين، وفرض ضرائب أكبر على القادرين، ومواجهة قضية الغنى والفقر، والثراء والضنك، بقرارات اقتصادية ذكية تلهب خيال الشعب، وتضعه في أتون معركة التنمية وراء القيادة السياسية، يعمل معها وليس ضدها. ما أسهل أن يعاد تشكيل المجالس الدستورية التي قد لا تعبر أحياناً عن الواقع الجماهيري، أو تدافع عن مصلحة شعب! ما أسهل إعادة تشكيلها كي تعبر عن الواقع الحي، وتأتي مجالس أخرى، تعبر عن نبض الشعب، وتعكس حركة الشارع، وميزان القوى السياسية. ما أسهل تشكيل أحزاب سياسية تعبر عن واقع الناس، ولا تظل باستمرار أحزاباً تنشأ في كنف السلطة، تقام وتنفضّ في غمضة عين. والليبرالية، والناصرية، والماركسية، كلها تيارات سياسية تحرك الشارع في مصر وليست لها حتى الآن أحزابها التي تعبر عنها. وبالتالي يمكن حشد الجماهير في أية لحظة حسم تاريخي، ودون أن نشكو من الفراغ السياسي وسلبية الناس. وتشعر الجماهير حينئذ بأنها جزء من النظام السياسي يعمل لها ويحظى بتأييدها، فتشارك في المسؤولية عن طيب خاطر. ما أسهل القضاء على كل الإجراءات الاستثنائية والطوارئ بجرة قلم واحدة، اعتماداً على الشعب فهو الذي يعطي الأمن ويهب الأمان. ما أسهل عودة حرية الصحافة بدلاً من التحسر على ما فات، وحرية النقابات والاتحادات والجمعيات، وحرية نشاط الطلاب في الجامعات حتى يتميز الإيجابي من السلبي في عملية تاريخية طبيعية تلقائية. ما أسهل أن تجمع كل التيارات والاتجاهات والقوى الوطنية على برنامج عمل وطني مشترك يظهر فيه مشروع الوطن كله، فمصير الوطن والأمة لا يحدده تيار، ولا يرسمه حزب واحد. إن أية محاولة لتأكيد الاعتزاز بالنفس، والغضب للكرامة، والدفاع عن العزة القومية وتحرير الأمة من قيودها ومعاهداتها التي أصبحت عبئاً عليها، وإهانة لكرامتها، وضياعاً لثقلها ووزنها بين الشعوب لتلهب خيال الأمة، الجيش والشعب، فيعود إلى الأمة جندها، فجندها خير أجناد الأرض، وشعبها في رباط إلى يوم القيامة. إن الشتات العربي الراهن هو أحوج إلى مثل هذا الخيال السياسي القادر على صنع قادة تاريخيين يؤثرون في شعوبهم، ويحظون باحترام الجميع، يهابهم الأعداء، ويتقرب إليهم الأصدقاء. إن العودة إلى شعارات الأمة التي ألهبت خيالها مثل مناهضة العنصرية، ومساعدة حركات التحرر في أفريقيا وآسيا، وتأسيس منظمة التضامن للشعوب الآسيوية والأفريقية ومؤتمر القارات الثلاث ليس بعيد المنال، فالمعارك ما زالت قائمة والجماهير منتظرة. ومن دون الخيال السياسي لا تخلق فكرة، ولا يصدر قرار، ولا يأتي إبداع، وقد يظل القائد محلياً تتباعد منه القلوب، وتبرد تجاهه العواطف، بعد البداية الطيبة، والشعارات التي ذكرتهم بماضيهم المجيد، والتي لم يترجم بعضها إلى قرارات، فينفض الجمع، ويعمل كل فريق لحسابه الخاص. وهو القادر على صياغة المشروع القومي في مواجهة الاستعمار والصهيونية والتخلف والتجزئة والعنصرية ولو بعبارات الخطابة، وتعبيرات البلغاء. إن الخيال السياسي هو المحافظ على الروح القومية ضد سياسة الأمر الواقع، وهو القادر حتى في أعقاب الهزيمة المرة في يونيو- حزيران 1967 على رفع شعار «لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضة». وما الفائدة بعد انتصار نستسلم عقبه، ونفاوض ونعترف ونصطلح باسم «الواقع السياسي»؟ إن الخيال السياسي هو القادر على الحفاظ على أمة في التاريخ مئات السنين. ولو استسلم المسلمون للصليبيين بعد جيل واحد لما ظهر صلاح الدين وانتصر المسلمون، وحرروا الشام وبيت المقدس. إن الواقع السياسي هو مادة الخيال السياسي وليس أمراً واقعاً، فالأمر الواقع مجموع الحوادث والإرادات، وفي الوقت الذي تنتزع فيه الإرادات من التاريخ تتحول الحوادث إلى أمر واقع، ومن دون خيال يتم الاستسلام له. لقد تمت معظم القرارات الثورية في أوائل ثورة يوليو بالخيال السياسي: الإصلاح الزراعي، والتأميم ضد الشركات العالمية، والتصنيع بعد أن تعلمنا أن مصر بلد زراعي. إن توزيعاً جديداً للأراضي على الفلاحين المعدمين، ومشاركة أكبر للعمال في المصانع، وللطلاب في معاهد التعليم، ليلهب خيال الشعب، ويعيد إلى الذاكرة سيرة القيادة الأولى التي ما زالت عطرة في النفوس. لقد كان العلم خيالاً قبل أن يكون واقعاً، وكان السير على القمر والسباحة في الفضاء موضوعاً للقصص قبل أن يكون موضوعاً للحاسبات الآلية. ولذلك كان القادة يقرؤون الشعر وحياة العظماء، فليس «راعي البقر» هو النموذج الأمثل، وإن التاريخ لا ينتظر التلاميذ الذين يتعلمون، بل يقبل دور الأساتذة الذين يعلمون فيحددون حركته ومساره.