في يونيو 2010، كانت وكالات الاستخبارات الأميركية تتلهف للحصول على معلومات تمكنها من تعقب رجل الدين الأميركي أنور العولقي، الذي كان قد انضم إلى تنظيم «القاعدة»، ويُعتقد أنه المسؤول عن تدبير المؤامرات انطلاقاً من مقره في اليمن. ومن مخبئه أرسل العولقي رسالة بريد إلكتروني مشفرة إلى «مورتين ستورم»، يشكره على إرساله امرأة كرواتية اعتنقت الإسلام إلى اليمن، وأصبحت فيما بعد زوجته الثالثة. ومثل كثير من الحكايات في كتابه «العميل ستورم.. حياتي داخل القاعدة وسي آي إيه»، تبدو تلك الحكاية من وحي خيال المؤلف مورتين ستورم، لولا أن ملحق الكتاب به صورة من رسالة العولقي، إضافة إلى براهين أخرى كثيرة. ويذكر «ستورم»، الدنماركي، أنه كان لصاً وعضواً في عصابة وانخرط في كثير من السلوكيات الإجرامية وأعمال العنف العشوائية والتهريب، وكان مدمناً للمخدرات وقضى وقتاً في السجن. وبينما تمول الدنمارك برامج اجتماعية تهدف إلى إعادة تأهيل الشباب المنحرفين من أمثال ستورم، فإنه كان عصياً على الإصلاح، قبل أن يتعرف على الدين الإسلامي، ومن ثم هاجر إلى إنجلترا حيث وجد ملاذاً في مجتمع إسلامي. بيد أن «ستورم» تحول إلى ناشط متطرف، وانتهى به المطاف بعد ذلك ليصبح جاسوساً تسلل إلى صفوف «القاعدة» لحساب ثلاثة وكالات استخبارات غربية. لكن رغم أن القصص التي يرويها في كتابه تبدو ذات مصداقية كبيرة، فإنه لا يمكن التحقق من جميع تفاصيلها. وكان ظهور «ستورم» في عام 2012، عندما اتصل بصحيفة «جيلاندز بوستين» الدنماركية لينشر حكاية صداقته مع العولقي وعمله مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي آي إيه»، والتي بدت غير منطقية. لكن المراسلين تحققوا من الأدلة التي قدمها، والتي تضمنت رسالة فيديو أرسلها العولقي إلى المرأة الكرواتية التي أصبحت زوجته، وصورة لحقيبة بها 250 ألف دولار من أموال وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، حصل عليها «ستورم» مقابل عمله. وكان لديه كذلك تسجيل سجله سراً على هاتف «آي فون»، لضابط وكالة الاستخبارات الذي كان يحاول إقناعه بأن عمله، الذي كان ممتازاً، لم يكن هو الذي أفضى إلى هجوم بطائرة من دون طيار وقتل خلاله العولقي في سبتمبر 2011. وبقدر أهمية عمله ضد العولقي، لعب الرجل الدنماركي دوراً مهماً في التسلل داخل جماعات مسلحة أخرى، حسبما أشار في مذكراته التي كتبها بمساعدة الصحافي باول كروكشانك ومحلل الأعمال الإرهابية تيم ليستر، ويقدم من خلالها سرداً نادراً لتجسس الدول الغربية على تنظيم «القاعدة». واعتبر «ستورم» أن عمله ساعد على قتل عدد من المسلحين، وهي حقيقة تثير له المتاعب، لكن ذلك لم يردعه عن ذكرها. وبعد أن تحرر «ستورم» من وهمه بالتطرف في عام 2007، وافق على العمل لصالح جهاز «الاستخبارات الدنماركي»، وسرعان ما نفذ مهام منتظمة للمخابرات البريطانية ووكالة الاستخبارات الأميركية أيضاً. وتسلل إلى بعض الدوائر المتطرفة في برمنجهام ولندن، وجماعة «الشباب» في شرق أفريقيا و«القاعدة» في اليمن. وإضافة إلى علاقته بالعولقي وزعيم «القاعدة» في اليمن، ناصر الوحيشي، كانت له كذلك علاقات مع قائمة كبيرة من المتطرفين، مثل عمر بكري محمد، رجل الدين البارز في بريطانيا، وأحمد عبد القادر وارسام، قائد جماعة الشباب الذي يقبع الآن في الحجز الأميركي. وكان من ضباط الاتصال الذين تواصل معهم «ستورم» بداية في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، امرأة تعرف إليها باسم «أماندا» لكنه علم بعد ذلك أنها «إليزابيث هانسون» التي قتلت في تفجير قاعدة الوكالة في خوست بأفغانستان عام 2009. ويصف «ستورم» كيف أن الوكالة أمدته بأجهزة كمبيوتر محمولة وهواتف خلوية وقواميس باللغة العربية مزودة بأجهزة تعقب ليعطيها للمسلحين. واستطاع كذلك تسليمها برنامج التشفير الذي تستخدمه «القاعدة»، ويدعى «أسرار المجاهدين». ويتضح أخيراً أن ولاء «ستورم» لوكالات الاستخبارات لم يدم أطول من إخلاصه لـ«القاعدة». ويبدو أنه ضاق ذرعاً بالجواسيس والمسلحين، ومن ثم قرر البوح بما يعلم، قائلًا إنه رفض عرضاً قيمته 400 ألف دولار كي يبقي فمه مغلقاً، وكانت النتيجة نافذة قيمة على جانبي حرب خفية قاتلة. وائل بدران ------ الكتاب: العميل ستورم المؤلف: مورتين ستورم الناشر: أتلانتك مانثلي تاريخ النشر: 2014