في عام 1989 نشر فرانسيس فوكوياما كتابه «نهاية التاريخ» فصعد إلى بؤرة الاهتمام والنقاش العامين، حيث اعتبر أنه بانهيار الشيوعية تبقى الديمقراطية الليبرالية نظام الحكم الوحيد المتسق مع الحداثة الاجتماعية والاقتصادية. وعلى مدار السنوات التالية مضى فوكوياما ليؤكد نظريته في كتاباته المتعددة التي تُوجت مؤخراً بكتابه الذي نعرضه هنا، «النظام السياسي وانحطاطه: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية»، وهو استكمال لكتاب سبقه حول تعقد الأنظمة السياسية وتطورها عبر التاريخ، يصل فيه إلى خلاصة مفادها أنه لا نظام سياسي يستطيع الاستمرار طويلا كما فعلت الليبرالية الديمقراطية، وإن عاد في كتابه الأخير ليؤكد أطروحته على نحو أكثر تواضعاً، معترفاً بأن مستقبل النظام الذي بشر به كنهاية للتاريخ صار غائماً ويلفه الغموض، لكن ليس لأسباب خارجية، أو تحديات موضوعية، بل لعوامل ذاتية في ثنايا الليبرالية الديمقراطية نفسها. ويهتم فوكوياما في كتابه الأخير بتعقب تطور أنظمة الحكم السياسي عبر التاريخ، ويرى أن التحدي الأساسي الذي يواجه الدول المتقدمة اليوم يكمن في كيفية تمثل نموذج «الدنمارك» بما يحيل عليه من بناء للديمقراطية المزدهرة. ويرى فوكوياما، مستلهماً نظرية أستاذه صامويل هانتنجتون، أن أي نظام سياسي إنما ينبني على مؤسسات معينة، فالليبرالية الديمقراطية التي يعتبرها النظام الأمثل، تقوم على توازن دقيق بين أمور ثلاثة: المحاسبة السياسية، وجود دولة قوية وفعالة، ثم سيادة القانون. فالمحاسبة تستدعي إقامة آليات لجعل القادة أكثر استجابة للرأي العام ومسؤولين أمام الجمهور، وهو ما يُترجم عملياً في تنظيم انتخابات تعددية ونزيهة على نحو دوري، بيد أن الانتخابات لا تكفي لدعم الليبرالية الديمقراطية، إذ تحتاج أيضاً بجانب مؤسسات المساءلة والمحاسبة إلى حكومة مركزية قوية وقادرة على الإنجاز، محاطة بسياج من القوانين والنظم التي تجسد سيادة القانون. ويتابع فوكوياما كيف أنه على امتداد التاريخ الإنساني برزت تلك العوامل الثلاثة على نحو مستقل في كل نظام من الأنظمة العالمية، ففي الصين مثلا تطورت الدولة وظهرت قبل فترة طويلة من وجودها في أوروبا، لكنها لم تكتسب عاملي سيادة القانون والمحاسبة السياسية، بينما طورت الهند والعالم الإسلامي ما يشبه حكم القانون وسيادته، دون وجود دولة قوية. ولم تبرز العوامل الثلاثة مجتمعة، يقول الكاتب، إلا في أوروبا خلال القرن الثامن عشر. ولا يقف الكاتب عند التحقيب التاريخي لليبرالية الديمقراطية ولا يكتفي بوصف النظام وتحديد أسسه ومرتكزاته، بل يذهب أبعد متسائلًا عن أسباب ظهورها وعوامل نجاحها من عدمه. وهكذا يرى أن المنافسة العسكرية قد تدفع الدول إلى التحديث، مستشهداً بالصين واليابان، ثم ألمانيا، دون أن ينسى حالات أخرى لم يلعب فيها التنافس العسكري دوراً مهماً في بناء الدولة مثلما حصل في أميركا اللاتينية. هذا بالإضافة إلى اعتقاد الكاتب بأن الدول التي ورثت دولة قوية من عهود الاستبداد تكون فرص التحديث والديمقراطية لديها أفضل من تلك التي سبقت فيها الديمقراطية الدولة القوية. ثم ينتقل بنا الكاتب إلى التحديات المحدقة بالليبرالية الديمقراطية، والتي لا يمكن التعامل معها كمعطى ثابت غير قابل للتطوير، مستشهداً بمسار الديمقراطية الأميركية ودورها في بناء الدولة. فإلى حدود القرن التاسع عشر كانت أميركا دولة ضعيفة وفاسدة، لكن ابتداء من مطلع القرن العشرين وحتى منتصفه تطورت الدولة وأصبحت أكثر قوة بفضل «الثورة الاجتماعية الناجمة عن عملية التصنيع التي أدت إلى انخراط مجموعة من الفاعلين السياسيين الجدد في الضغط على النظام وتجديده». والمشكلة، يقول الكاتب، إن الأنظمة الليبرالية معرضة للتطور كما الانتكاس، وهو ما تثبته الديمقراطية الأميركية نفسها، حيث يرى فوكوياما أن التطور السياسي الأميركي تقهقر إلى الوراء خلال العقود القليلة الماضية بعدما أصبحت الدولة أضعف وأقل كفاءة وأكثر فساداً. هذا التراجع يفسره الكاتب في جزء منه بالفوارق الاقتصادية الصارخة وتركز الثروة الذي سمح لقلة من النخبة بشراء النفوذ السياسي والتأثير على النظام دفاعاً عن مصالحها، بالإضافة إلى قابلية المؤسسات السياسية الأميركية للاختراق من قبل جماعات المصالح.. ما يسمح لفصائل صغيرة بممارسة تأثير أكبر من حجمها على الحكومة. والنتيجة ظهور حلقة مفرغة تعجز فيها الدولة عن مواجهة التحديات، ما يكرس انعدام الثقة من قبل الرأي العام وهو ما يحرم الدولة من موارد وإمكانات مهمة ومن ثم يضعف أداءها. بمعنى أنه ما لم تتحرك الليبرالية الديمقراطية لتطوير نفسها وإصلاح أسسها ومواجهة الانحطاط المؤسسي، فإن التاريخ قد لا ينتهي بنفس الصورة التي أرادها له الكاتب، أي انتصار الليبرالية ونهاية التاريخ. زهير الكساب ------- الكتاب: النظام السياسي وانحطاطه.. من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية المؤلف: فرانسيس فوكوياما الناشر: فرار، ستروس، أند جيرو تاريخ النشر: 2014