الاجتماع الأخير للقيادة الفلسطينية في رام الله (الخميس 11/9/2014) جاء نافياً لما تردد من «أخبار» سابقة عن أن الاجتماع «مخصص لتأكيد القطيعة مع حماس»! ربما لأنه بات واضحاً أن مستقبل الوضع الفلسطيني (بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، ومع استمرار تذبذب العلاقات بين «فتح» و«حماس») أصبح على المحك. لذلك، تمنى الكثيرون، في الاجتماع، استمرار إدراك الطرفين ضرورة إنهاء حالة «شقاق الإخوة» بالجلوس الدائم المباشر على مائدة الحوار الوطني مثلما كان عليه الحال أثناء الحرب. فمهمة التحرر الوطني الفلسطيني لا يقوى عليها فصيل منفرد مهما كانت إمكاناته، إضافة إلى استحالة الإقصاء الحاسم لفصيل ضد فصيل حتى ولو بمساعدة خارجية لأي من الطرفين. أما اختلاف المرجعيات والرؤى والبرامج فينبغي أن يكون مصدراً للإثراء الذي يؤثر إيجاباً في وحدة الصف. لقد أكد المتحدثون أن العلاقة بين الحركتين ينبغي ألا تكون صراعاً على «السلطة»، بل جهداً دؤوباً لإيجاد صيغة تشاركية أسوة بتجارب ناجحة في تاريخ حركات التحرر الوطني الحديث. فمن غير المعقول أن يكون التنافس صراعاً على «السلطة» وكلا الطرفين تحت الاحتلال! فحركة «فتح» ستكون أقوى عندما تكون شريكا لحركة «حماس»، والعكس صحيح. وبديهي القول أنه حين لا يكون شركاء البيت الواحد على وفاق، تضعف قوى الدفاع عن البيت ويفتح المجال واسعاً أمام أطماع الجيران، بل وجيران الجيران. وعليه، استشعرت أغلبية الحضور ضرورة الانحياز، بشكل نهائي، للوحدة الوطنية الفلسطينية، وعلى قاعدة الأخذ والعطاء ما بين الحركتين بحيث يتكرس اتفاقهما على استراتيجية واحدة، وسلطة واحدة، وسلاح واحد، وكفاح واحد على درب التحرر وليس على درب سحب واقع الضفة الغربية كحكم ذاتي عاجز ومحاصر على قطاع غزة المحاصر، أو سحب واقع القطاع على الضفة. وبالفعل، تفهم الحضور حقيقة أن «فتح» تسجل على «حماس» ملاحظات واتهامات، مثلما تسجل الأخيرة على «فتح». وهذا أمر طبيعي بسبب التباين في الأيديولوجيات والسياسات والتحالفات، وأيضاً بسبب التنافس على «السلطة». ومثل هذه التباينات لا تحل عبر الحروب الإعلامية وإنما بالحوار الهادف. ومن أشد الأخطار، فلسطينياً، خطر كون أي فك للشراكة بين الفصيلين سيدفع كل طرف إلى متابعة نهجه وعلاقاته مما يؤدي إلى تكريس الانفصال. وكما قال قيادي فلسطيني، سينتهي الأمر، إلى إخراج «القطاع» من جغرافية الدولة الفلسطينية التي تضمن شطري الوطن، أو إخراج «الضفة» من جغرافية الدولة لصالح دولة في غزة. وهذا مطلب إسرائيلي استراتيجي. وفي اجتماع القيادة ذاتها، أكدت أصوات بارزة أهمية إنجاز الجولة الأولى من «المفاوضات» بين الحركتين، مع التأكيد على ضرورة إشراك الأطراف الفلسطينية الأساسية الأخرى، وإن في وقت لاحق، لتوفير «جسر» بين الاثنين، أو تقديم «شاهد» ضد مَن «يركب رأسه» من التنظيمين. فالحرب الأخيرة وما تحقق فيها من إنجازات ومكاسب فلسطينية يجب أن تأتي على حساب الطرف الإسرائيلي، وليس على حساب أي طرف فلسطيني، سواء أكان هذا الفصيل أو ذاك. لقد رسخت «القيادة»، في ضوء تجربة التفاوض الذي جعلته إسرائيل عبثياً، اتجاهاً قوامه رفض البحث في الحلول الجزئية، ورفض السكوت على محاولات حرف القضايا نحو فروعها فحسب وكأننا في «أوكازيون» يتعامل بالقطعة وبالتقسيط، وضرورة طرح القضايا بشكل جذري. فرغم بدء «المفاوضات» منذ 21 عاماً هي عمر اتفاقات أوسلو، لا يزال الحكم الذاتي هو القائم مقروناً بخلق أمر واقع بائس على كل الأصعدة نتيجة ما تقترفه حكومة الاحتلال وجيشها من قتل وعدوان وملاحقات واعتقالات ومصادرة أراض وبناء لجدار الفصل العنصري وتوسيع للمستوطنات.. مع عدم الاعتراف أصلا بوجود شريك فلسطيني للسلام! وفي هذا السياق، جرى التأكيد على الأهمية القصوى لعامل الوقت. فالمفاوضات، مثلما أنها جعلت الفلسطينيين يخسرون الكثير من الحقوق بسبب الممارسات الإسرائيلية على الأرض، فإن الذهاب إلى مجلس الأمن (إن كان ضرورياً بعد الرفض الأميركي) فإنه مطلوب فوراً لأن الاحتلال الإسرائيلي التوسعي (الآبارتايدي العنصري) ديناميكي بطبعه، بل يسلبنا الكثير من الممتلكات والحقوق يومياً. وقد رأى فصيل مؤثر أن الذهاب إلى الأمم المتحدة لترسيم الحدود سيكون أجدى لو أن الفلسطينيين ذهبوا بموقف عربي موحد يدعم إنجاز ترسيم رسمي للحدود، مع مصر والأردن (الرئتين الأساسيتين) للشعب الفلسطيني والدولة الفلسطينية العتيدة. فهذا الحال يقوي الطلب الفلسطيني لترسيم الحدود مع إسرائيل. وفي هذا السياق، شدد الحضور على الحاضنة العربية (بل وحاضنة العالم الإسلامي) لمؤازرة الموقف الفلسطيني على كل الصعد، ما يسهم في تغيير موازين القوى وبخاصة مع البدء بحملة عالمية ناجحة لإعلان الدولة الفلسطينية عبر الأمم المتحدة والإسهام في السعي لمقاطعة إسرائيل إذا ما استمرت في رفضها الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية. ومما يزيد من أهمية هذه التحركات حقيقة أن واشنطن، رغم تعاطفها السياسي اللفظي مع المطالب الفلسطينية، تزداد عجزاً، وهذا طبيعي؛ فحاجتها لإسرائيل أكبر من حاجتها للعرب، فيما حزب الرئيس الأميركي يقيد يديه، وربما قدميه أيضاً، لاعتبارات حزبية مصلحية، خاصة أن الانتخابات النصفية للكونجرس على الأبواب فيما يقترب الرئيس من نهاية ولايته الثانية. كذلك، شهد اجتماع القيادة الفلسطينية آنف الذكر تكاثر الأصوات المنادية بأهمية الالتحام مع حملة المقاطعة العالمية لإسرائيل وضرورة اعتمادها كجزء من برنامج فلسطيني واسع، لإيصالها إلى كل مكان. فتوسيع حملة عزل إسرائيل من جهة، ومحاكمتها وقادتها العسكريين على الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني من جهة ثانية، هما الآن خياران متاحان، بل هما أكثر تحركين (سلاحين) يؤلمان إسرائيل. وإذا ما قامت هذه الأخيرة بتنفيذ تهديداتها ضد أي قرار أحادي تتخذه «السلطة»، فإن التداعيات بما فيها فلسطينياً (إعادة النظر في جميع التزامات السلطة وبخاصة موضوع التنسيق الأمني) هي التي ستحدد مصير السلطة الفلسطينية، حتى لو أدى ذلك في النهاية إلى حلها وإرجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل تفاهمات أوسلو ليتحمل الاحتلال الإسرائيلي، حسب القوانين الدولية، المسؤولية كاملة وعلى كافة الصعد. ختاماً، توافق الحضور على أن كل ما سبق، لن ينجح إلا إذا نجحت كل من «فتح» و«حماس» (الفصيلان الأكبر، واللذين تفرقت بهما في اختيار وسائل التحرير الوطني) في تجاوز خلافاتهما وعادا إلى نهج «المسيرة المشتركة» التي تأكدت إبان الحرب على قطاع غزة.