يبدو -من التحليل النقدي للتاريخ العربي الحديث والمعاصر- أننا فشلنا في العالم العربي في تأسيس دول حديثة على النمط الغربي! لا فرق في ذلك بين المشرق والمغرب والخليج، ولا بين النظم الملكية والنظم الجمهورية! ولذلك قنعنا باستبدال الديموقراطية التي تميز الدول الحديثة بما أطلقنا عليه «شرعية التحديث»، بمعنى قيام الدولة العربية – أياً كان نظامها السياسي – بمحاولة تجديد الأطر المؤسسية والنظم الاقتصادية والأداء الاجتماعي للمجتمع التقليدي العربي سواء كان زراعياً أو صحراوياً لكي يصبح بدرجة أو بأخرى مجتمعاً حديثاً. ويمكن أن نفسر عجز العالم العربي عن الاحتذاء الكامل لنموذج الحداثة الأوروبي، وبالتالي الفشل في تأسيس دول حديثة إلى أن هذا النموذج كان في الواقع نتاج ثورة ثقافية كبرى حدثت في الدول الأوروبية. وكان من أهم معالم هذه الثورة القطع الكامل بين النصوص المقدسة وسلوك الدولة والأداء السياسي والاقتصادي، تحت شعار العلمانية، الذي هو في معناه الأصلي- الذي يتعرض للتشويه الآن في عديد من الدول العربية- الفصل بين الدين والدولة. وتحت تأثير الحداثة، أصبح شعار الدولة الحديثة الأوروبية «العقل هو محك الحكم على الأشياء»، والمقصود هنا العقل بالمعنى الواسع للكلمة، العقل الفلسفي والعقل العلمي والعقل الأدائي. وبذلك تم فتح الباب واسعاً وعريضاً أمام البحث العلمي والتكنولوجي، واستطاع المجتمع الصناعي الأوروبي– بحكم التطور التكنولوجي المتسارع – سد الحاجات الأساسية لملايين البشر في مجالات الغذاء والسكن والعلاج والتعليم. غير أن تحكيم العقل في إدارة شؤون الدولة والمجتمع لم يكن سوى مفردة واحدة من عدة مفردات، شكلت منظومة الدولة الحديثة الأوروبية. ولعل أهم هذه المفردات قاطبة هي الديموقراطية. والتي تعني حرية التفكير وحرية التعبير وحرية التنظيم، بما في ذلك من تعددية سياسية وفكرية، وقبل ذلك كله تداول للسلطة عبر انتخابات رئاسية دورية في النظم الجمهورية، وانتخابات برلمانية ومحلية دورية في النظم كافة، ملكية كانت أو جمهورية. الدولة الحديثة بالمستويات التي أشرنا إليها قابلتها مقاومة شديدة من قبل السلطة التقليدية في المجتمع العربي. وأهل هذه السلطة لم يتصوروا كيف يمكن لهم القبول بنظام ديموقراطي يقوم على تداول السلطة، مما يعنى ببساطة تخليهم طواعية عن السلطة بما يصاحبها من امتيازات ونفوذ. وحتى في البلاد العربية التي كانت محتلة ونالت استقلالها في الخمسينات، فإن أهل السلطة من أعضاء النخب السياسية الحاكمة الجديدة، وبعضهم كانوا ثواراً نالوا استقلال بلادهم نتيجة كفاح سياسي أو نضال مسلح طويل، لم يتصوروا أن يحولوا نظمهم السياسية -التي قامت غالباً على أساس «الشرعية الثورية» التي تكفل لهم البقاء في السلطة إلى ما لا نهاية- إلى نظم تقوم على «الشرعية الديموقراطية» التي تنص على ضرورة تداول السلطة. ومن ناحية أخرى، رفضت التيارات الدينية شعار الحداثة الغربي «العقل هو محك الحكم على الأشياء»، لأن في ذلك نقضاً لشعارهم الأصلي، وهو أن النص الديني وليس العقل، هو محك الحكم على الأشياء! وهكذا نشأت حركات مقاومة ضد تأسيس الدولة الحديثة العربية، تنتمي إلى تيارين أساسيين: التيار الأول هو التقاليد الشمولية والسلطوية، والتيار الثاني هو التقاليد السلفية التي تبنتها تيارات إسلاموية متعددة، بعضها يؤمن بالعمل السلمي لتحكيم شرع الله، والبعض الآخر يعتنق مبدأ العنف ويعتمد الإرهاب وسيلة لقلب الدول العربية الراهنة، التي لا تحكم - في زعمهم – بشرع الله. وقد خاضت النظم السياسية العربية الشمولية التي قامت على أساس زعيم ملهم أو حزب قائد، وكذلك النظم السلطوية معركة كبرى ضد مبادئ الديموقراطية للدولة الحديثة، وذلك بزعم أن التعددية السياسية بما تتضمنه من تعدد الأحزاب السياسية مسألة غير مقبولة لأنها تهدد وحدة الشعب، وتسمح للقوى السياسية الرجعية أن تتسلل إلى دوائر الحكم، وتهيمن بالتالي على مقدرات الشعب. وبالرغم أنه في ظل مقاومة النظم العربية المختلفة لمبادئ الدولة الحديثة الديموقراطية خفتت أصوات أهل السلطة الدينية التقليدية؛ لأن هذه الأصوات قمعت قمعاً شديداً في ظل هذه النظم؛ لأنها اعتبرت معوقة للمسيرة «الثورية»، إلا أنه سرعان ما ارتفعت هذه الأصوات بعد سقوط عديد من هذه النظم. ولا شك في أن هزيمة يونيو 1967 أفقدت النظام الناصري شرعيته الثورية؛ لأنه أثبت أنه لم يستطع أن يرتقي لمستوى الدفاع الفعال عن أرض الوطن، وربما كان ذلك نتيجة غياب الديموقراطية على الرغم من أنه حقق العدالة الاجتماعية إلى حد كبير. ومعنى ذلك أن الدولة الناصرية السلطوية لم تعد صالحة كنموذج سياسي عربي، ولا بد من البحث عن البديل. وكذلك الحال بالنسبة لفشل حزب «البعث» في كل من سوريا والعراق على الرغم من محاولات التحديث التي قام بها خاصة في العراق. سقوط النظم الشمولية والسلطوية هو – كما يجمع على ذلك عدد كبير من الباحثين – الذي فتح الباب أمام التيارات الدينية السلفية لكي يحاربوا الحداثة الغربية إجمالاً من ناحية، ولكي يرفضوا الديموقراطية خصوصاً كأساس للمجتمع السياسي العربي باعتبار أنها بدعة غربية مستوردة، وأن الشورى هي النظام الأجدر بالاتباع. إن قادتها -من باب الانتهازية السياسية- غيروا مواقفهم في السنوات الأخيرة للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات الديموقراطية. وهكذا اجتمعت -على الرغم من الاختلاف البين في المنطلقات والوسائل- التيارات الشمولية والتيارات الدينية التقليدية والرجعية على رفض الدولة الحديثة على النمط الأوروبي، التي تقوم على أساس دستور يحدد العلاقة بين الدولة والمواطنين، وعلى الفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وعلى مبدأ سيادة القانون، وأهم من ذلك كله على مبدأ تداول السلطة، والفصل بين الدين والسياسة. ولم تكتف النظم السياسية السلطوية بمقاومة نموذج الدول الحديثة الأوروبية، ولكنها لتعويض فشلها حاولت أن تلجأ إلى شرعية التحديث، لكي تثبت أنها تساير روح العصر، وتسعى لترقية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجماهير، وإن كان ذلك على حساب الحريات السياسية. غير أن مجيء عصر العولمة، بتجلياته السياسية، وهي الديموقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان، كان إيذاناً بنهاية شرعية التحديث العربي، والبحث الجاد – من خلال التحول الديموقراطي عن طرق تأسيس الدولة العربية الحديثة. غير أن عملية التحول الديموقراطي فشلت فشلاً ذريعاً، ولذلك قامت ثورات «الربيع العربي» لتحقق الديموقراطية في وثبة واحدة، غير أن تعثر ثورات «الربيع العربي» أكد أن بناء الديموقراطية يحتاج إلى سنوات طويلة تستقر فيها الثقافة السياسية. إلا أن الأحداث الأخيرة أثبتت أن المشكلة ليست في تحقيق الديموقراطية ولكن في الحفاظ على الدولة ذاتها التي سقطت في عديد من البلاد العربية!