بعد أن أثر الإنتاج الهائل للغاز الصخري في الولايات المتحدة على الأسعار التي تدنت إلى مستويات قياسية، جاء دور النفط الصخري الأميركي، الذي وجد طريقه للأسواق الدولية مؤخراً ليتزامن ذلك مع تراجع الطلب بسبب تباطؤ الاقتصادات الأوروبية والاقتصاد الصيني، مما شكل ضغوطاً على الأسعار، التي تدنت من 115 دولاراً للبرميل في شهر يونيو الماضي إلى 97 دولاراً في نهاية الأسبوع، أي بنسبة كبيرة تجاوزت 15?6% في أقل من ثلاثة أشهر. لقد تضافرت العديد من العوامل التي أخلت بالعلاقة بين العرض والطلب والإمدادات، ففي مقابل تراجع الطلب من أوروبا والصين ازدادت الإمدادات من ليبيا والعراق وإيران بعد الرفع الجزئي للعقوبات عن الأخيرة، مما تتطلب ضرورة تحرك منظمة البلدان المصدرة للنفط «أوبك» لوقف انخفاض الأسعار، التي ربما يؤدي استمرار تدهورها إلى اللحاق خسائر كبيرة بعائدات النفط في البلدان المصدرة. ومع أنه من المستبعد أن تنخفض الأسعار عن 80 دولاراً للبرميل، على اعتبار أن ذلك سيؤدي إلى توقف إنتاج النفط الصخري عالي التكلفة، إلا أن مجرد وصول الأسعار إلى هذا المستوى يدق ناقوس الخطر، مما يستدعي التحرك السريع من قبل بلدان «أوبك» وبالتنسيق من البلدان المصدرة من خارج المنظمة، كروسيا والنرويج. وجاء رد الفعل الأولي والسريع من السعودية، باعتبارها أكبر مُصدّر للنفط في العالم، والتي خفضت الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يومياً من 10 ملايين برميل إلى 9 ملايين و600 ألف برميل يومياً، إلا أن الزيادات المتوقعة في البلدان الثلاث ليبيا والعراق وإيران، التي يتوقع أن تتجاوز مليوني برميل، بالإضافة إلى إمكانية زيادة صادرات النفط الصخري الأميركي تفوق كثيراً نسب تخفيض الإنتاج التي قامت بها بعض البلدان حتى الآن. ويبدو أن هناك مخاوف من المنافسة بين بلدان «أوبك» ذاتها، ففي الوقت الذي تبدي فيه دول مجلس التعاون الخليجي حرصها على توازن العرض والطلب في الأسواق لدعم استقرار الأسعار، فإن العراق ينوي مضاعفة إنتاجه ليصل إلى 6 ملايين برميل، كما أن إيران تحاول التعويض عن فترة المقاطعة، التي لم تتمكن خلالها من تغطية حصتها في «أوبك»، في الوقت الذي سيرتفع فيه الإنتاج الليبي من أقل من نصف مليون إلى 1?1 مليون في هذا الشهر و1?3 مليون يومياً الشهر المقبل، وهو ما يتناسب وحصتها الإنتاجية. لقد أصبحت قضية استقرار أسعار النفط عند حدود 100 دولار للبرميل مسألة تنموية ضرورية للبلدان المنتجة كافة لتلبية احتياجات الإنفاق المتصاعدة، مما يعني أن التنسيق والالتزام بالاتفاقيات الجماعية في نطاق «أوبك»، أضحيا مسألة مهمة لكل أعضاء المنظمة، خصوصاً أن هناك توقعات صادرة عن وكالة الطاقة الدولية تشير إلى إمكانية تراجع الطلب على نفط «أوبك» بعد زيادة إمدادات النفط الصخري من الولايات المتحدة. وفي هذه الحالة يتطلب الأمر من الجميع التعاون لتحديد سقف جديد للحصول على عائدات أعلى، وذلك رغم أن التجربة السابقة لبلدان المنظمة تبين صعوبة الالتزام بسقف الإنتاج المتفق عليه، إلا أن الظروف الحالية والتحديات المستجدة، وبالأخص إمكانية التوسع في إنتاج النفط الصخري في العديد من البلدان لا تتيح الكثير من الخيارات لمنظمة «أوبك»، وذلك على الرغم من أن العمر الافتراضي للنفط الصخري والتكلفة العالية لإنتاجه لا يمكن مقارنتها بالاحتياطيات الضخمة وبالتكلفة المنخفضة نسبياً للإنتاج التقليدي. هذه بعض العوامل الملحة التي يمكن لبلدان منظمة «أوبك» استغلالها للحصول على أسعار عادلة لمبيعاتها من النفط لتغطية احتياجاتها وزيادة استثماراتها التنموية، وللحد من إمكانية فقدها لجزء من عائداتها، وحفظ التوازن في أسواق النفط الدولية، وجميعها عوامل تصب في نهاية المطاف لمصلحة المنتجين والمستهلكين، ولصالح استقرار الاقتصاد العالمي ككل.