يوم الأربعاء الماضي، كشف الرئيس باراك أوباما عن استراتيجيته لـ«إضعاف وتدمير» التنظيم الإرهابي المسمى «داعش»، وكان يستخدم اسمه المختصر بالإنجليزية أثناء إلقاء الخطاب. وسارعت الصحافة العالمية إلى التركيز على الخطط الأميركية المتعلقة بالجوانب العسكرية لهذه الاستراتيجية. وتتضمن تلك الخطط تنفيذ الضربات الجوية وزيادة المساعدة العسكرية للمعارضة السورية المعتدلة. كما تشتمل على كمّ كبير من العمل الدبلوماسي متعدد الجوانب. وتطرق الرئيس إلى جملة من الأهداف التي وضعها نصب عينيه من أجل وضع الجهود الدبلوماسية الأميركية الدولية موضع التنفيذ. ويعتقد أوباما أن من المهم وضع حد لتدفق المقاتلين الأجانب على العراق وسوريا لمساعدة «داعش»، كما يجب العمل على تجفيف مصادر التمويل التي تساعدهم على توسيع نشاطاتهم الإرهابية. وهو على ثقة أيضاً من أن شركاء أميركا يمكنهم أن يسخّروا مصادرهم الاستخباراتية لمعالجة الخطر الذي يتهدد الجميع، بطريقة أفضل. وقال أيضاً: «لا بدّ من مواجهة الأيديولوجيا المنحرفة التي يتمسك بها قادة تنظيم داعش والداعمون لهم. وكل ذلك يتطلب جهوداً دبلوماسية نشيطة وفعالة». وفيما يتعلق بسوريا، قال أوباما إن من الواجب التوصل إلى حل سياسي للحرب الأهلية المتواصلة هناك. وهذا الهدف العاجل يتطلب بدوره عملاً دبلوماسياً نشيطاً. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف ووضعها موضع التنفيذ، تحدث أوباما في خطابه يوم الأربعاء الماضي عن الأهمية الكبيرة التي ينطوي عليها بناء تحالف دولي موسع من الشركاء لمواجهة تهديدات «داعش». وطالما أن هذا العمل دبلوماسي بامتياز، فلقد ابتعث أوباما وزير الخارجية جون كيري إلى الدول المعنية لتنفيذ هذه المهمة. إلا أنه عندما وصل إلى هذه المرحلة، أبدى حرصاً كبيراً على عدم ذكر «الشركاء» بأي وجه من الوجوه. وكان من الواضح أنهم يتألفون من الدول الغربية والأمم المتحدة، إلا أن أوباما قال أيضاً إن على دول المنطقة أن تساهم في هذه المجابهة بمجهودات وإمكانيات كبيرة. وأغفل أوباما الحديث عما سيطلبه «كيري» من القادة الذين يعتزم مقابلتهم في المنطقة. وفضل الإدلاء بتصريح عام أشار فيه إلى سياسته الفعالة لحثّ الشركاء على التحرك والعمل قدر الإمكان على التصدي للتحديات الأكثر اتساعاً والتي باتت تهدد الأمن والسلام العالمي. وكان واضحاً في نقطة واحدة عندما قال إن جزءاً من مهمة «كيري» تتركز على إدراج المزيد من الشركاء في قائمة الدول المعنية بهذا الصراع، وخاصة منها الدول العربية التي تمتلك القدرة على تحريك المجتمعات والعشائر السُنّية في العراق وسوريا لطرد هؤلاء الإرهابيين من بلادهم. وفي موازاة ذلـك، لا بدّ أن يكون أوبامـا قـد شعر بالسرور عندما نشرت الصحافة قبل أيام قليلة خبراً يفيد بأن معالي يوسف العتيبة سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في واشنطن قال: «إن دولة الإمارات جاهزة لمشاركة المجتمع الدولي بجهودها العاجلة والمنسقة والمستدامة لمجابهة التهديدات التي سيكون لها نتائجها وتداعياتها الخطيرة خلال العقود المقبلة ما لم يتم التصدي لها». ومن المعروف أن هناك علاقات ممتازة ووثيقة بين الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، ولقد تعاونت الدولتان في الماضي على التصدي لعدة أزمات. ولا شك أن مشاركة الإمارات في الحرب على الإرهاب مهمة جداً بالنسبة لإدارة أوباما. ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن حكومة الولايات المتحدة التزمت الحرص لتجنّب استدراجها للخوض في مسائل تتعلق بالتعاليم الإسلامية، والتي يبدو أن لها علاقة واضحة في بلورة مواقف مقاتلي «داعش»، ومن أمثلة ذلك أن وزارة الخارجية الأميركية عرضت شريط فيديو قصيرا على موقع «يوتيوب» مخصصاً لتفنيد المزاعم الدعائية المغرضة لتنظيم «داعش»، ومن أجل تثبيط عزائم بعض الأميركيين ممن يفكرون بالذهاب إلى سوريا والعراق للمشاركة في القتال هناك. ولم يتعرض الشريط أبداً للقضايا التي تربط العلاقة المباشرة بين الإسلام وتنظيم «داعش»، بل ركّز على وحشية وعدم إنسانية مقاتلي هذا التنظيم الإرهابي. وعلى نحو مشابه، تجنّب أوباما في خطابه بطريقة حكيمة الخوض في النقاشات الدينية تاركاً هذه المهمة للمسلمين. وعندما كان يقترب من هذه النقطة، كان يشدد على الجملة التي يرددها من أن «داعش ليس حركة إسلامية، ولا يمكن للتعاليم الإسلامية أن تبيح قتل الأبرياء، وأن الغالبية العظمى من ضحايا داعش هم من المسلمين». وأعرب بعض المعلقين الأميركيين عن مخاوفهم من أن تنظيم «داعش» الذي تبنّى السلوك الهمجي عندما قام بقطع رأسي الصحفيين الأميركيين وعرض شريط فيديو لتصوير عملية الإعدام، قد أقدم على هذا الفعل حتى يستدرج الولايات المتحدة للمشاركة في الصراع الذي يدور في العراق وسوريا، وحيث ينتظر المزيد من الأميركيين دورهم في الإعدام. إلا أن أوباما يعرف بأن هناك خطراً سيتهدد الأميركيين لو أنه عمد إلى زيادة التدخل الأميركي في الأزمة. وقال في خطاب يوم الأربعاء الماضي: «في كل مرة نقوم فيها بعمل عسكري، لا بد أن تكون هناك أخطار تهددنا، وخاصة بالنسبة للموظفين من الرجال والنساء المشاركين في تنفيذ هذه المهمات». إلا أنه أضاف بأن مشاركة الأميركيين كانت ضرورية بسبب الحجم الكبير للتهديد، وأكد على أن العمل العسكري لمجابهة «داعش» يجب أن يعتمد على التعاون بين أميركا وشركائها. وحان الآن وقت التنفيذ الحقيقي لسياسة أوباما في الشرق الأوسط في إطار رغبته لحشد الدول الأجنبية وراء هدف محاربة الإرهاب في المنطقة. وسيعتمد نجاح استراتيجيته على المجهود الدبلوماسي، وتعمل إدارته بدأب على إقناع تلك الدول بأن من مصلحتها العليا العمل معه لتحقيق الأهداف التي وضعها.