يتمنى الكثيرون في العالم أن يشكل اجتماعا جدة (الأسبوع الماضي) وباريس (أول أمس) الأساس الإقليمي والدولي القوي للتخلص من كل الحركات الإسلامية المتطرفة في العالم، بعدما أوضح تنظيم «داعش» أن الحركات المتطرفة بدأت تتكاثر بمسميات مختلفة، وترتكب جرائم أفظع في كل مرة. حتى وقت قصير، كان هناك اعتقاد عند الكثيرين أن الحرب ضد تنظيم «القاعدة» تعني التخلص منها أو تقييد حركتها، لكن تطورات الوضع السياسي في العراق والمنطقة أدت إلى ظهور حركات إسلامية أكثر تطرفاً. لذا يعتقد البعض أن خطر حركات التطرف الإسلامي في المنطقة أكبر مما نراها على الساحة حالياً، مثل «داعش» أو جبهة «النصرة» في سوريا أو «أنصار الشريعة» في ليبيا، وبالتالي فإن اختزال التعاون الدولي في هذه الحركات واعتباره عملا متميزاً أمر يضلل الناس عن الأزمة الحقيقية التي يواجهها العالم وهي من الطرف الذي يساهم في ظهور هذه الحركات. لا جدال بأن إيران هي الدولة الإقليمية التي بادرت في خلق المليشيات الدينية لاستخدامها في الحروب بالإنابة عنها، فـ«حزب الله» اللبناني يعتبر أقدم تلك المليشيات، وبعده جاءت حركات أخرى مثل الحوثيين في اليمن، كما أنها شجعت على ظهور حركات إسلامية أخرى، مثل «حماس»، وعلى تحدى سلطات الدول، وكذلك عندما كانت «الملجأ» لقيادات تنظيم «القاعدة» الهاربة من أفغانستان. الأمر كان أكثر وضوحاً في تشجيع إيران على ظهور تلك المليشيات بعد الاحتلال الأميركي للعراق، وبالتالي فإن ظهور «داعش» وغيرها من التنظيمات الإسلامية المتطرفة، هو جزء من مشكلة أكبر في المنطقة عندما تقوم دولة برعاية التطرف على عكس ما هو شائع في العالم من أن التطرف نتيجة لظروف لها علاقة ببيئة المجتمع. أحياناً يكون التطرف نتيجة لأسباب اقتصادية واجتماعية، لكن الدولة كمؤسسة تقوم بمواجهته والعمل على الحد من انتشاره. وفق هذا المنظور فإن ما نقلته وسائل الإعلام العالمية مؤخراً عن تحذيرات إيران من ضرب «داعش» واعتبار ذلك نوعاً من «اللعب بمستودع بارود»، يدين إيران أكثر مما يجعلها محايدةً، لأنه لا يوجد بديل لإيقاف بشاعة أعمال «داعش» وجبهة «النصرة» إلا بالحرب ضدهما. يمكننا الاستفادة من حماس المجتمع الدولي ومن تشكل رأي عام عالمي في قتال «داعش» لتوسيع عمل الحلف الدولي والإقليمي الذي تشكل في جدة وباريس من أربعين دولة في تحقيق أكثر من شيء: الأول، هو العمل على محاربة وهزيمة الفكر الطائفي الذي تقوده إيران لتوسعة نفوذها السياسي في المنطقة من خلال تشجيع بعض الأقليات الدينية، مثل الحوثيين في اليمن والفوضى في البحرين واستقواء «حزب الله» على الدولة اللبنانية. أما في العراق، فإن التدخل الإيراني كان السبب في ظهور «داعش» كحركة طائفية، ونفس الأمر تكرر في سوريا لحماية حليفها السياسي، وبالتالي فإن تحالف الحركات الدينية السياسية ضد الأخرى ناتج من هذه السياسة. الشيء الثاني، شن حرب عالمية ضد حركات الإسلام المتطرف، وليس «داعش» فقط كما جاء في استراتيجية الرئيس الأميركي باراك أوباما. لو أعدنا سيناريو الحركات الإسلامية المتطرفة سنجدها تمارس أعمال تنظيم «القاعدة» مع أن البعض كان يعتقد أنه تم القضاء عليها أو على الأقل تمت محاصرتها، لكن يبدو أن أسماء الحركات هي التي تغيرت فقط أما طريقة الإرهاب فهي نفسها. إزاحة «داعش» من الخريطة العالمية أو اقتصار دور هذا التحالف الدولي على قتالها -كما يريد الرئيس أوباما- عمل لا يمكن وصفه بالمتميز بل يزيد من حالة تشكك حلفاء واشنطن في نوايا أوباما حيال استقرار العالم. كما أن استراتيجيته لاقت انتقادات كثيرة من المحللين في العالم، على اعتبار أن قتال تنظيم صغير لا يحتاج إلى كل هذا الحشد الدولي، وبالتالي فإن هزيمة التنظيم أمر يفترض أن يكون سهلا في ظل توازن القوى بل البعض يبالغ ويقول، إنه مهما بلغت «داعش» من قوة أو عنف ترهيبي ستبقى صغيرة أمام الحشد الدولي. الشيء الآخر، أن التركيز على «داعش» فقط سيعني مستقبلا أن العالم سيشكل في كل مرة حلفاً دولياً، لأن الحركات المنتمية لفكر «القاعدة» منتشرة في كل أنحاء العالم تقريباً، ففي أفريقيا وشرق آسيا والدول العربية حدّث ولا حرج، بالإضافة لكل ذلك، فإن هذا الحماس الدولي ربما يتوسع،ليشمل صياغة قوانين تحرم تأييد أو تمويل هذه الحركات، إذ لا يكفي معاقبة من يقاتل ضمن الحركة فقط، بل مطلوب تجريم من يقف وراءها، حالها كحال النازية في أوروبا. والشمولية ربما ينبغي أن تشمل وسائل التواصل الاجتماعي التي حلت محل المنبر والمسجد! يتجاهل الحقيقة مَن يعتقد أن مثل هذه الحركات المتطرفة ستصيب بعض الدول فقط، أو أن الدول التي تدعمها لن تصيبه. لكن التجارب تؤكد أن الجميع في العالم هم ضحايا تلك الحركات المتطرفة وليست منطقتنا فقط، وأن تشويه المفاهيم الذي تمارسه بحق الدين الإسلامي يمس كل المجتمعات الإنسانية. وبالتالي، فإن تشجيع بعض الدول لظهور هذه الحركات وتردد بعض الدول الأخرى لحساب المصالح السياسية، كما فعلت تركيا عندما رفضت التوقيع على «بيان جدة»، أو التأخر في مواجهتها كما فعل الغرب في بداية ظهور «داعش».. لن يخلص العالم من الإرهاب ولن يشعر الناس بالاستقرار، وبالتالي ستظل احتمالات القلق مستمرة وكأن العالم لم يستفد من دروس الماضي، مع أن ذكرى الحادي عشر من سبتمبر مرت مع إعلان استراتيجية أوباما. ليس أمام العالم إلا إعادة ترتيب أولوياته السياسية والتعلم من أخطاء الماضي واستيعاب درس الحادي عشر من سبتمبر، وأولى الناس باستيعاب هذا الدرس من يقوم برعايتها أو يعمل على إنشائها. لقد تراجع النفوذ الإيراني في العراق بعدما فشل المالكي، رجل طهران في بغداد، والذي كانت سياساته سبباً في حالة التأييد الذي نالته «داعش» من بعض القطاعات المجتمعية. هل المطلوب إذن هو إنقاذ المجتمع الدولي من الإرهاب، أم التلكؤ في مواجهته، مثلما فعلت الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة؟ إن نتيجة التهرب من مواجهة الإرهاب أن الكل سيكتوي بناره، وهذا ما حدث سواء بالفعل، سواء متمثلاً في مقتل الصحفيين الأميركيين والمواطن البريطاني، أم في التحاق بعض المواطنين الغربيين بـ«داعش» والقتال في صفوفه!