من يراقب سلوك جماعات " بوكو حرام" أو "داعش" وغيرها من القوى الإسلامية التدميرية فى مجتمعات الأفارقة والعرب، يدهش كثيرا من قدرة هذه الجماعات على تجاهل تراث طويل من الحضور الإسلامى فى أجواء تناغم مشهود مع توجهات مختلفة معها ، سواء المسيحية ، أو الوثنية ، والأيديولوجية فى مختلف المجتمعات الأفريقية والعربية ..فتاريخ الاختلاف مع الحداثة طويل فى مصر والمشرق ، وكذا كان مع الحركات الشيوعية فى السودان ، كما كان التوافق المغربى مع الجميع شهيرا ...فما الذى جرى للمسلمين لتخرج من بينهم هذه الفصائل النشاز ، بل ونفاجأ أنها باتت مدعومة بصمت مريب ، أو مشارك من أطراف "الإسلام السياسى " ممن يطمعون فى " حكم " مجتمعات...لا أظنه يأتى فى ظل هذا الدمار ! وكنت أظن أن "العمل السياسى " لا يتصل بطبعه بأعمال العنف أو الإرهاب.... لن أجادل أوضاعا باتت عميقة الأثر فى المنطقة العربية ، حتى لقد أصبحت المنطقة تبدو أتعس مناطق العالم فى مظاهر تشتتها وانقساماتها ، والبحث عن الجذور فيها يمتد لنيف وألف من السنين ، بين شيعة وسنة ، أو خوارج أوقرامطة ، إباضية وإسماعيلية ، بل وأحيانا مذاهب دينية أو جماعات جهادية ، وحتى وصلنا لمعرفته " الإسلام السياسى " ؛ كفكر أو حركة ، وإذ بنا أمام تحوله إلى غطاء لعديد من جماعات العنف المدمرة بدورها ، وهذه المرة باسم السلفية ، والخلافة ...وبتحالفات لا ترعوى أحيانا مع أقصى أطراف العداء للأمة . كنت أقرأ فى الفترة الأخيرة عن "إسلام أفريقيا" لأميز قراءاتى ، عن مجرد "الإسلام فى أفريقيا" ! قصدت هنا كما كتبت من قبل أن أتعرف على بعض مظاهر الاجتهاد الخاصة فى القارة ، بين مجاهدين وحتى جهاديين ، والتى أراها منذ فترة مختلفة عما يجرى فى "العالم الإسلامى " التقليدى بالمشرق ...قلب هذا العالم الإسلامى... مختلفة فى ميلها للبساطة والتوحيد على أوسع نطاق ، ولم تثر صراعا بين مسلمين كمسلمين وان ثار الصراع لأسباب اخرى . وقد سبق أن لاحظت أن المساحات الكبيرة من أفريقيا "المسلمة " تأخذ "ب المذهب المالكى" ، فى أوسع المناطق بالقارة وخاصةبين مسلمى غرب أفريقيا ، لا يسود منذ قرون لشرح هذا المذهب إلا كتيب واحد هو " رسالة ابن أبى زيد القيروانى" وقبلها كان "السيوطى" ؛ مذهبا مبسطا للتعامل والعبادة من أقصى الشمال فى المغرب ، إلى أواسط القارة . بل ويلاحظ الدارس أيضا أنه حتى المذاهب الصوفية ، لا يسود بينها فى أنحاء القارة إلا "القادرية " يحتشد حولها الملايين....أما الجهادية نفسها ، فقد شرحنا من قبل مذهب بعض عظماء المجاهدين ، أمثال " الشيخ عثمان دان فوديو" ،ومن حوله كان "الأمين الكانمى " و"الحاج عمر تال" و" حماه الله" ...وغيرهم ، وكيف ورثت حركاتهم روح العداء للاستعمار حتى انكسر أتباعهم على يد قوى الاستعمار وخضعوا لتوجهات الاستعماريين فى دروس كان يجب أن يستحضرها " الاشاوس" الآن! , فلا يكررونها بهذه البساطة ..!.مثلما كانت بعض المذاهب أداة غيرهم مثل الحنفية والصوفية مع العثمانيين، ومن قبلهم من الحنابلة وأتباعهم السلفيين ... وليتحول ذلك كله الي علاقات "بالسلطان" لاتتسق وقتالية " ابن تيمية " نفسه ضذ المغول ... فى جو هذه القراءات ، رأيتنى أعيد قراءة مفكر وسياسى أفريقى قديم معروف فى أوساط حركة الوحدة الأفريقية منذ القرن التاسع عشر ، وهو "إدوارد بلايدن" E.Blyden ( 1832-1912) . وكنت قد عرضت لتفكيره السياسى الذى جذبنى حول علاقات الشعوب الأفريقية بالعربية ، وزيارته لمصر ، واهتمامه بالتعليم والتراث العربى فى "ليبيريا" و"سيراليون" ونيجيريا" ، كمفكر وسياسى ومسئول وزارى فى تلك البلاد . لكننى فوجئت مع قراءة اجزاء اخري منه اهتمامه الكبير بأثر الاسلام فى عملية التوحيد بالمجتمعات الأفريقية ، وذلك مع إعادة القراءة لبعض أجزاء كتابه الهام الذى خصصه ضمن دراسات أخرى عن "القرآن" و"الإسلام فى بلاد السودان " و"المحمدية فى بلاد الزنج" .الخ . لكن أفكاره الصريحة فى موضوعنا إنما جاءت فى كتابه عن" المسيحية والإسلام والجنس الزنجى" (لندن1887) Christianity , Islam and Negro Race....والطريف أن الرجل إرسالى مجتهد ، قادم من تراث أنجليكانى وبروتستانتى أمريكى ، ليحقق الاستقرار فى منطقة نفوذ أمريكية فى ليبيريا أساسا، وإذ به "متهم "آخرعمره، بأنه قد يكون "أسلم" لأنه أقام مسجدا ومدرسة إسلامية حديثة بين "اليوروبا" فى الجنوب النيجيرى !( ولأهمية هذا الكتاب نصحت المركز القومى للترجمة فى مصر بنقله إلى العربية مما أرجو أن ينجزه أحد الباحثين القادرين ...) انشغل الرجل بفكرة أساسية ، وهو القادم لينشر التحديث المسيحى " على الساحل الأفريقى ، وإذ به يقوم برحلات استكشافية إلى "الداخل>" فى غرب أفريقيا ، فيكتشف أن المسيحية صعبة الانتشار فى هذا الداخل لثبات الإسلام هناك ..وما أثار الرجل فى ثبات الإسلام فى "بلاد السودان" – وهو الاسم السائد عن بلدان الغرب الأفريقى وخاصة من الفور شرقا إلى المندى غربا- هو أنه مرتبط بعملية توحيد واستقرار ملفتة ، سواء بطقوس العبادات وانتظامها ، أو بطبيعة هذه الطقوس مقارنه بالطقس الأفريقى العنيف أحيانا...بل وقدم الرجل شهادة خاصة عن حماية الاسلام للأفارقة من تجارة الرقيق أحيانا بسبب ما أشاعه عن كرامة الانسان وعدم التمييز إلى حد رصده لحالات حكم شخصيات زنجية للمسلمين العرب"! أهم ما ركز عليه بلايدن ليصور قيمة "إسلام غرب أفريقيا " الفارقة عن المسيحية بين الأفارقة ، هو عشرات الصفحات عن تعلم العربية ، والمخطوط بها من اجل الحفظ والتعليم ، وتكوين جماعات"العلماء" فى مدارس أسمى بعضها فى "بيليه" شرقى مونروفيا "أكسفورد المنطقة " ! حيث وجد بها 500 شاب . ويتحدث "بلايدن" بتقدير عال وبتكرار ملحوظ عن دور هؤلاء "العلماء" فى النهضة والحركة الفكرية ، وعن دور المسلمين فى غرب أفريقيا فى تطوير الحضر ، أى نشأة المدن الكبيرة ، كما يكرر ما لاحظه بينهم من "الصناعات"! كان "لبلايدن" آراء ملفتة ومتكررة عن دور الاسلام وثقافة المسلمين فى توحيد " مجتمعات الداخل" الأفريقى ، مقابل دور المسيحيين فى "التحديث" ، ورأى أن المسلمين ينهضون جيدا بحداثة التعليم ولكنهم يريدونه لهم وحدهم بحيث ينشئون المدارس على نفقتهم ويرفضون أى تمويل من خارجهم ، مما جعله يؤمن بدوره أن طريق المدرسة هو طريق الالتقاء بين المسيحى والمسلم وليس بالضرورة الكنيسة أو الاساليب الأوربية المباشرة . سجل "بلايدن" حركة إلتقاء مسلمى غرب أفريقيا بمسلمى الشمال الأفريقى ، وتأثير ذلك القوى على قبول المسلمين بالتحديث الذى كان حريصا على إنجازه ، ويجد بعض المقاومة له أحيانا، بقدر ما يجد صعوبة المسيحية على التكيف مع "الداخل الأفريقى " . ولذا نشط على سواحل ليبيريا وحتى "لاجوس" على شاطئ الأطلنطى النيجيرى . كما أنه ارتحل إلى مصر فى الشمال الافريقى ، وإلى القدس وبيروت ليدرس العربية و"الحداثة العربية " فى الشمال والمشرق... وسجل "بلايدن" نتيجة لذلك أن حركة الجهاد نفسها أقرت قيام الدولة بنطاقها الوحدوى الواسع ، وقبلت التعليم والتحديث، ولم نشهد عن أبناء دان فوديو" ما يسئ للإسلام . هكذا تحدث "بلايدن" وهو لم يكن مشايعا للإسلام أو للمسلمين وإنما رأى مجتمعا من المسلمين تحكمه روح التوحد لاالصراع أو الاقتتال, وهو ماكان ينشده استقرار الاوربيين هناك وقتئذ.. و هذا ما يجعلنا الان ندهش أمام تطور غريب تشيعه جماعات باسم هذا الاسلام فى بلاد السودان وخاصة فى نيجيريا التى شهد شمالها أقوى التطورات الاسلامية والجهادية ، التوحيدية ، على يد "دان فوديو" وقرنائه ... لم يكن "بلايدن" كما قلت مشايعا للإسلام , ولكنه كان مع التحديث بالطبع ، ومع الادارة الاوربية الاستعمارية الجديدة ، بل وفى نصوص ملفتة له ، رأى أن المسلمين لن يتقدموا بالتحديث الا بالتعاون مع المسيحيين وبحضور المسيحية فى أفريقيا ! بدلا من عزلتها فى الوقت الحالى نحن أمام مستشرق أو قل "مستفرق" بالتأكيد ! ولكنه راي وتامل عنصرا يهمنا الآن ..بدل الهم الذى نعيشه. !