في عام 2007 نشرت الكاتبة الأميركية «شانون براونلي» كتاباً بعنوان «فرط العلاج: كيف يجعلنا الطب، أكثر مرضاً، وأشد فقراً» (Overtreated - Why too much Medicine is Making us Sicker and Poorer)، وبعدها بثلاثة أعوام، وبالتحديد عام 2010، نشر كاتبان أميركيان كتاباً آخر بعنوان «مصيدة العلاج: كيف يدمر الإفراط في الرعاية الطبية صحتك، وماذا يمكنك فعله لمنع ذلك» (The Treatment Trap - How the Overuse of Medical Care is Wrecking your Health and what you can do to Prevent it). وهو الكتاب الذي وصفته الجمعية الأميركية للمتقاعدين التي تضم في عضويتها أكثر من 37 مليون أميركي، بأنه «شرح للأسباب التي تجعل الكثير من الأطباء حذرين بشكل مفرط، أو غير أكفاء في مهنتهم، أو تدفعهم للعمل بهدف تحقيق أعلى قدر من العوائد المالية، وضمن نظام صحي يشجعهم على ذلك». كما استهلت إحدى الدوريات المتخصصة في الكوارث والحوادث أيضاً مراجعة هذا الكتاب، بعبارة تلخص الموقف برمته، وهي أن المزيد والمزيد من الرعاية الصحية، ليس دائماً بالضرورة أفضل أو أحسن. وهذان الكتابان اعتبرا علامة مهمة في تأسيس فكر صحي- اقتصادي حديث نسبياً، يعرف بالرعاية الصحية غير الضرورية (Unnecessary Health Care)، وهي الحالة التي يتم فيها توفير الرعاية الصحية بحجم أكبر من الحاجة الفعلية، أو بتكلفة أعلى من المفروض. فعلى سبيل المثال، في الولايات المتحدة الأميركية، التي تتمتع بأعلى تكلفة إجمالية للرعاية الصحية بين جميع دول العالم، كنسبة من الناتج الإجمالي القومي، نجد أن فرط الاستخدام، يعتبر سبباً رئيسياً في هذه التكلفة المرتفعة. وإذا ما نظرنا إلى فرط الاستخدام هذا، فسنجد أن السبب الرئيسي خلفه هو حافز زيادة العائد المالي لمقدمي الرعاية الصحية، كلما زادت إجراءات التشخيص، وتعاظمت التدخلات العلاجية، في الوقت الذي تتم فيه تغطية النفقات من طرف ثالث، سواء كان تأميناً حكومياً أو خاصاً. وهذا الوضع، لا يحفز الأطباء أو المرضى، على ترشيد استهلاك الرعاية الصحية، أو محاولة خفض نفقاتها. بمعنى أن الطبيب، والمريض أيضاً، لا يوجد ما يحثهما على عدم طلب فحوص غير ضرورية، وتكرار المراجعات والزيارات دون سبب كافٍ، أو صرف عقاقير باهظة الثمن لا يقوم المريض بتناولها، أو الاعتماد على الأدوية الجنيسة (المكافئة)، الزهيدة الثمن مقارنة بالأدوية التي تحمل أسماء شركات كبرى، دون أن يكون هناك فارق في الكفاءة أو الفعالية. وإذا ما قارنا مثل هذا النظام بنظام رعاية صحية قومي أو وطني مثل المعمول به في بريطانيا، الذي لا يوجد فيه حافز مالي للطبيب أو المستشفى، فسنجد أن معدلات فرط الاستخدام، المتمثلة في الفحوص الطبية، والإشعاعية، وبقية الإجراءات التشخيصية، ومن بعدها التدخلات العلاجية، منخفضة بدرجة ملحوظة مقارنة بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى ارتفاع نسبة استغلال الأدوية الجنيسة، ودون أن يكون النظام الصحي البريطاني أقل جودة على صعيد المخرجات. بل قد يرى البعض أن نظام الرعاية الصحية البريطاني يحقق مخرجات أفضل، على الصعيد الصحي، ومن منظور التكلفة المالية. كما أنه، بناء على تحليل اقتصادي، ظهر أنه في الوقت الذي تنفق فيه الولايات المتحدة أعلى نسبة من الناتج القومي الإجمالي على الرعاية الصحية مقارنة ببقية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي تضم 34 من أقوى الاقتصادات في العالم وأكثرها تطوراً، إلا أن معدلات الاستغلال الأمثل، والتوظيف الأفضل لنظام الرعاية الصحية أقل في الولايات المتحدة مقارنة بمتوسط معدلات الاستغلال والتوظيف في بقية الدول الأعضاء في المنظمة. ويحمل فرط وإساءة استغلال نظم الرعاية الصحية تبعات سلبية عدة، صحية، واقتصادية، واجتماعية. فعلى سبيل المثال، يؤدي فرط الاستخدام إلى تحمل الطرف الثالث -شركات التأمين الصحي- لنفقات متزايدة، تضطر معها لرفع ثمن وثائق التأمين الصحي، بشكل يجعلها خارج قدرات وإمكانات الطبقات الفقيرة في المجتمع، وربما حتى متوسطة الدخل أحياناً. وإذا كانت جهة العمل، سواء كانت حكومية أو خاصة، هي التي تتحمل تكلفة وثائق التأمين متزايدة الأسعار عاماً بعد عام، فحتماً ستضاف تلك التكلفة إلى مصاريف الإنتاج، أو ثمن الخدمات المقدمة، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار والتضخم، وتراجع الاقتصاد الوطني على صعيد التنافسية العالمية بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج. وهذا السيناريو بالتحديد يلقي البعض باللوم عليه خلف تراجع قطاع صناعة السيارات في الولايات المتحدة خلال العقود القليلة الماضية أمام المنافسة من الشركات اليابانية، وبقية الدول الآسيوية، حيث يقدر أن «فورد»، عملاق صناعة السيارات الأميركية كانت تنفق في مرحلة ما على التأمين الصحي للعاملين بها أكثر مما تنفقه على شراء الحديد الذي تستخدمه في تصنيع السيارات. ومن المنظور الطبي، تؤدي أحياناً إساءة استخدام نظام الرعاية الصحية إلى ما يعرف بفرط العلاج (Overtreatment)، وهي التدخلات الطبية غير الضرورية لعلاج حالات طبية كانت ستشفى ذاتياً وتلقائياً بمرور الوقت، أو تعريض المريض لعلاج مكثف ومطول، لا تتطلبه حالته الصحية. وأحياناً حتى فرط التشخيص (Overdiagnosis)، الذي يمنح فيه المريض تشخيصاً بمرض أو علة، لا تظهر له أية أعراض على المريض، ولا يتوقع أن يتسبب له في أي أذى أو ضرر صحي، ولكن بعد التشخيص، أصبح من الضروري تلقي العلاج، تماماً كمن يطرح حلاً فعالاً ومكلفاً، لمشكلة لا وجود لها من الأساس.