في العاصمة الليبيرية مونروفيا، بوابات حديدية زرقاء خارج جناح «إيبولا» في مركز «جيه. إف. كيه» الطبي تفصل عالمين كلاهما يائس. ففي جانب ثلاثة ليبيريين يفترشون الأرض في ملجأ تابع لليونيسيف ينتظرون الدخول، وعلى الجانب الآخر، شاحنة محملة بعشر جثث في أكياس بلاستيكية بيضاء تنتظر الخروج. وتخص الشاحنة واحدة من أربعة فرق دفن تنقل الموتى من أجنحة العلاج، أو المنازل، حيث تحتشد الأسر الخائفة حول محبوبيها المصابين المتلهفين للمسة أخيرة. وبالنسبة لكثير من الليبيريين، يعتبر منح جثة لفريق الدفن كي يحرقها أمراً غير معقول. على رغم أن تلك اللمسات الأخيرة، التي تعتبر جزءاً من المراسم الجنائزية الليبيرية، من بين الأشياء التي تنشر فيروس «إيبولا». وقد تتبعت فريق الدفن إلى أحد المنازل قيل إن فيه خمس جثث، جميعها لضحايا الفيروس، ومع تساقط المطر ووسط تجمهر الناس، شق أعضاء الفريق الذين يرتدون بزات بيضاء ويضعون أقنعة وادياً ضيقاً إلى المنزل. ولكنهم عادوا في غضون عشر دقائق. ولم يكن هناك سوى اثنين فقط متوفين في المنزل، وطلبت الأسرة من الفريق الرحيل، متذرعين بأن الوفاة ليست ناجمة عن «إيبولا». وبالطبع ليس هناك وقت لاكتشاف صحة قولهم من عدمه، فهناك جثث أخرى كثيرة يتعين جمعها. واتجهت الشاحنة إلى مستشفى «إيلوا 2»، وهو عبارة عن مركز علاجي كبير، أصيب فيها اثنان من المتطوعين الأميركيين، وبينما اتجه فريق الدفن إلى مجمع مغلق، كان كثير من الناس ينتظرون العلاج، ومن بينهم اثنان مشتبه في إصابتهما بالإيبولا داخل سيارة إسعاف. ولكن لا توجد أسرّة كافية للمرضى، ولا يوجد موظفو رعاية صحية بالعدد الكافي لتقديم العلاج. ويعتبر ذلك جزءاً كبيراً من المشكلة، فعلى رغم عدم وجود علاج للإيبولا، ولكن العلاجات التكميلية مثل السوائل يمكنها إنقاذ حياة كثيرين وإبطاء انتشار المرض. غير أن مراكز علاجية كثيرة لا يمكنها توفير حتى الرعاية الأولية. وقد طالبت منظمة الصحة العالمية ومراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، بمزيد من الدعم للمنطقة. وتحدث «توم فريدين» مدير «مراكز الوقاية» عن وجود فرصة أمام العالم، ولكن يُخشى أن تتلاشى. وأعرب «فريدين» عن اعتقاده بأن العالم لم يعِ حجم التحدي بعد، إذ تتطلب مواجهة كبيرة لتفشي فيروس قاتل مثل إيبولا في دولة فقيرة كليبيريا الأموال والمتطوعين. وقال: «أدرت على مدار أربعة أعوام أنشطة استجابة مراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض في حالات الطوارئ، بما في ذلك الاستجابة المبكرة لوباء إنفلونزا إتش 1 إن 1، في عام 2009، وأتحدث من واقع خبرتي عن أن مستوى الاستجابة في مواجهة تفشي إيبولا غير متناسب تماماً». وتمتلك الولايات المتحدة خبرة وموظفين يمكنهم السيطرة على انتشار ذلك الوباء. وقد كانت هناك خلال الأسبوع الماضي بوادر مشجعة على أن الإدارة الأميركية بدأت تأخذ ضرورة مواجهة فيروس «إيبولا» على محمل الجد، وتزيد من استجابتها. وقد بدأ الرئيس أوباما الحديث عن تفشي الفيروس. وأعلنت هيئة المساعدات ووزارة الخارجية الأميركية أنهما ستنقلان مئة موظف طبي أفريقي من أنحاء القارة، لتقديم الدعم في المناطق المصابة بالفيروس. وستوفران أيضاً المعدات والموارد اللازمة لتجهيز ألف سرير إضافي. وتطلب الإدارة من الكونجرس أموالاً لتوفير مزيد من الخبراء الفنيين والإمدادات لصالح مراكز الوقاية والسيطرة على الأمراض. ولكن على رغم أن الخبراء سيساعدون وكذلك الإمدادات، لكن الأمر غير كافٍ وحده، وسيتطلب أكثر من ذلك بكثير. ونحتاج إلى إنشاء مستشفيات ميدانية يديرها أميركيون لعلاج المرض. ويتعين تطبيق ممارسات السيطرة على العدوى لإنقاذ حياة مزودي الرعاية الصحية أنفسهم. ولابد من تجهيز فرق الدفن للحيلولة دون نقل المرض أثناء الجنائز، ومن الضروري أيضاً تطبيق أنظمة اكتشاف للإصابات الجديدة التي يمكن تمييزها بشكل سريع. ومن الممكن أن يقدم بضعة آلاف من الجنود الأميركيين الدعم اللازم بشدة. ومن الوارد أن تقع خسائر، ولكن هل يتم إلغاء عملية عسكرية لأنها خطيرة؟ ------------- ريتشارد باسر: كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ------------- يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»