علّق الفيلسوف الفرنسي «ميشال أونفراي» على الأحداث الأخيرة في العراق بالقول إن الحركة «الداعشية» الإرهابية المتطرفة تترجم التصور الإسلامي الذي حسب زعمه غير مؤهل عقدياً وقيمياً لإنتاج منظور قيمي يحترم ذاتية الإنسان وقيمه. لا يهمنا كثيراً كلام الرجل الذي لايخفي عداءه للدين إجمالاً، ويمثل اليوم أحد أخطر وجوه الإسلاموفوبيا الغربية التي تزايد صوتها في الآونة الأخيرة إثر استفحال موجة التطرف الديني المسلح، بيد أن الموقف الذي عبر عنه يلتقي مع كتابات فلسفية واجتماعية أكثر رصانة، ذهبت إلى القول إن التقليد الإسلامي لا يتضمن منظوراً أخلاقياً، بل يقوم على محض الأمرية التشريعية القائمة على نفعية الجزاء والعقوبة، ذكر لي الصديق رضوان السيد أن كبير المستشرقين الألمان المعاصرين جوزف فان آس صارحه بهذا الحكم. من الواضح أن خلفية هذا التصور هو المفهوم الكانطي للأخلاق الذي سيطر على الفكر الحديث، بما فيه الفكر اللاهوتي، البروتستانتي على الأخص الذي كان كانط نفسه قريباً منه (رغم أن هيغل اعتبر من منظور مسيحي مغاير أن أخلاقية كانط ذات مرجعية يهودية، باعتبار أنها تخلت عن محورية لاهوت الحب، واكتفت باستبطان سلطة القانون الإكراهية عبر نقلها من هيمنة الإله الخارجي إلى الذات الفردية). يقوم المفهوم الكانطي للأخلاق كما هو معروف على معيار الواجب، أي الحكم القطعي الكوني القابل للتعميم بدلاً من معيار الفضيلة، الذي يتمايز فيه الناس حسب درجة الاكتمال والسمو، ولذا فإن نمط الأخلاقية الوحيدة، الذي يتلاءم مع تعددية العقائد والأفكار، هو القانون الإجرائي الذي لا ينطلق من مضمون معياري جوهري. كان المرحوم «محمد عبد الله دراز» الفقيه والمفكر المصري المعروف قد أعد في الأربعينيات كتابه الشهير حول «دستور الأخلاق في القرآن الكريم»، الذي كان في أصله أطروحة جامعية بالفرنسية قبل نشره بالعربية، دافع فيه عن المنظور الأخلاقي الإسلامي من خلال قراءة كانطية ذكية لمعايير الواجب والضمير والتجرد، في النص الإسلامي المؤسس. أما الذين تلوا "دراز"، فقد انساقوا في أغلبهم إلى أحد اتجاهين: الكشف عن مدونة السلوك في النصوص الدينية أو استظهار القيم المرجعية في النسق الإسلامي، دون الانتباه إلى صدور المنظور الأخلاقي في التقليد الإسلامي إلى مفاهيم ومعايير تختلف ضرورة عن تقليد الذاتية الحديثة، الذي ليس هو المقاربة الوحيدة الممكنة في الفعل الأخلاقي. لنبادر أولاً بالإشارة إلى أن اختزال الأخلاق في القانون الإجرائي الذي لا يستند لتقويمات جوهرية يطرح إشكالات نظرية وعملية عصية في مستوى مرجعية ومشروعية الأمرية المعيارية المتضمنة بالضرورة في هذا القانون الذي يدعي الحياد القيمي. بعبارة أخرى، فإن الثمن الذي يقتضيه تمويه سؤال المشروعية القيمية للقوانين الأخلاقية العامة هو إما القول بمصدر وضعي طبيعي لهذه القيم الإجرائية أو تخويل الدولة القانونية - الإدارية حق ومسؤولية التأسيس المعياري للأخلاق الجماعية بدل الدين. ومن هنا ندرك أن الفكر الليبرالي الجديد أصبح واعياً بضرورة تجاوز هذا التمييز المتعسف بين الأخلاق الفردية التي هي مجال التقويمات الجوهرية (الداخلة في حرية الاعتقاد) والأخلاق الجماعية (القيم الإجرائية الكونية)، ومن هنا ندرك دعوة الفيلسوف الألماني «يورجن هابرماس» إلى إعادة بناء القانون الوضعي على «أسس أخلاقية» ودفاع الفيلسوف الأميركي «رونالد دوركين» عن «الحقوق الأخلاقية» في مقابل الدولة. ليس من همنا دخول هذا الجدل الفلسفي المعقد الذي يهيمن حالياً على الفكر السياسي والقانوني الغربي، وإنما أردنا من خلال الإشارة إليه إلى أن المفهوم الذاتي الفردي للأخلاق الذي هو خلفية التصورات الليبرالية التقليدية ليس هو البديل الذي نحتاج إليه في استكناه وإعادة تنشيط التقليد الأخلاقي الإسلامي الذي يتعرض اليوم لتحديات عصية مع تصاعد الأصوليات المتوحشة. إنما ميز التقليد الإسلامي كما يتبين من نصوصه المرجعية المؤسسة في الفقه والتصوف والآداب السلوكية هو الانطلاق من مرجعية اكتمال النفس وتساميها، أي تجاوز التصور الوجودي الجامد للذاتية الإنسانية وتأكيد السمة الديناميكية لفعل الوجود الإنساني، الذي يتسم بالتصاعد اللامتناهي بدلاً من سجن التناهي، الذي هو أفق الفلسفة النقدية منذ كانط. الحرية هنا ليست هي مجرد حرية الإرادة التي توقفت عندها الليبرالية الكلاسيكية، بل هي حرية التجاوز والسمو التي عبر عنها الصوفية بعبارات الكدح والتحقق (الكدح إلى الله والتحقق بأسمائه وصفاته). سبق لـ«حنة أرنت» أن بينت أن مفهوم الحرية في الفكر التنويري الحديث كما صاغه بصفة مكتملة «جان جاك روسو» ينتهي إلى نفي أي إمكانية للحرية الحقيقية، ما دام يربطها بالإرادة المتمتعة بالسيادة المطلقة، مما يعني فرض ما تريده هذه الذات المهيمنة على الواقع الجماعي المتعدد والمختلف، وليس مفهوم «الإرادة المشتركة»، الذي بلوره روسو سوى تعبير عن هذه النزعة التسلطية الأحادية لكونها تتصور الجسم السياسي ككل متجانس لا تنوع فيه ولا اختلاف. إن الدفاع الحقيقي عن الحريات والتنوع في المجتمعات المسلمة يتطلب الخروج من هذا المنظور الليبرالي الفردي المستند لآلية الضبط الإجرائي بالقانون العمومي، بالرجوع إلى الضمانات المعيارية الثابتة التي وضعها التقليد الإسلامي في يد الجماعة، وبتفعيل قيم الاكتمال التي تأسس عليها نموذج التربية في هذا التقليد. ليس المطلوب مجرد وضع مدونة عامة تضبط تعايش الأفراد وتحمي حقوقهم المشتركة (مع إنه أمر أساسي لا محيد عنه)، وإنما اعادة الاعتبار لدور الدين قيماً ومؤسسات في تعضيد اللحمة الجماعية وصنع أفراد لا يكتفون باحترام معايير العيش المشترك، وإنما يجسدون قيم الدين العليا في الإيثار والتسامح والرحمة بدلاً من تحويل الدين إلى أيديولوجيا سياسية لا تنتج سوى الكراهية والعنف.