كانت والدتي دائماً تقول: «إذا أردت من أحد أن يستمع إليك فلابد أولاً أن تنصت له، وتعرف وتفهم أسئلته وتكون مدركاً لمخاوفه.. وإذا فعلت ذلك، فإنك ستكون قادراً على التحدث مع الناس وليس إليهم». وقد اتضح جلياً ما يحدث عندما لا يتم اتباع قاعدة التواصل البسيطة تلك، في مؤتمر «الدفاع عن المسيحيين» الذي عُقد في واشنطن خلال الفترة من التاسع إلى الحادي عشر من سبتمبر الجاري. وقد شنّ عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية تكساس «تيد كروز» أمام نحو 900 مسيحي معظمهم من أصول عربية، حملة دفاع مشبوبة بالعاطفة عن إسرائيل زاعماً أن «الدولة العبرية هي أفضل حليف للمسيحيين». وهو ما أثار استياء المستمعين، واستطرد «كروز»، الذي لم تردعه صيحات الغضب والاستهجان، قائلاً: «إن أولئك الذين يكرهون إسرائيل يكرهون الولايات المتحدة، وأولئك الذين يكرهون اليهود يكرهون المسيحيين أيضاً». وعندما تواصلت صيحات الجمهور، أوقف «كروز» تصريحاته برهة ملقياً باتهامه: «إن بعض الحاضرين مفعمون بالكراهية، وإذا لم تدافعوا عن إسرائيل واليهود، فلن أدافع عنكم»، ثم تولى معرضاً بجانبه. ومن المعروف عموماً أن «تيد كروز» شخص «غوغائي»، وهي صفة تجعله غير محبوب لدى زملائه. ولكنه يُعرف أيضاً بأنه حاد الذكاء ويقدر حساب كل شيء. ولذا، عندما حاولت فهم السبب الذي دفعه للقيام بما فعل، طرأ إلى ذهني سيناريوهان مختلفان، أولهما أنه ربما ذهب إلى مؤتمر «الدفاع عن المسيحيين» لإثارة لحظة «إنكار» كي يستغلها مع مؤيديه في جناح اليمين الأصولي كدليل على جرأته السياسية. والثاني أنه على الأرجح ربما لم يتوقع رد فعل الجمهور على تصريحاته المشينة، وهو ما أثار دهشته، ولم يقرر أنه يمكنه الاستفادة من ردود الأفعال لمصلحته السياسية إلا أثناء الحدث. وفي كلتا الحالتين، أظهر «كروز» للأسف «لا مبالاة» مخزية تجاه مخاوف مسيحيي الشرق الأوسط، وافتقاراً كاملاً لإدراك تاريخهم واحتياجاتهم الراهنة. وهو مثل كثير من زملائه، لا يمكنه مشاهدة الشرق الأوسط إلا من خلال عدسات ما هو في صالح إسرائيل. ولأنه جاء أصلاً من عالم أصولي، ويعمل الآن في فقاعة السياسة الأميركية، فليس لديه فهم لمستمعيه ولا رغبة في الإنصات إليهم والتعلم منهم. وعقب مغادرته الحدث مباشرة، أصدر تصريحاً لموقع «بريتبارت» اليميني المتطرف، يصف رد فعل الجمهور بأنه «إظهار مخزٍ للجهل والتعصب الأعمى»، وزعم بفجاجة أنه بينما أراد أن يستعرض سلسلة من الأمثلة التي أعدم فيها متطرفون مسيحيين ويهوداً، أحبطت جهوده «الكراهية» و«التعصب الأعمى» وشرور «معاداة السامية» المستطيرة! وفي الحقيقة، في ذلك المشهد المأساوي والمخزي بأسره، لم يصدر الجهل والتعصب الأعمى إلا من السيناتور ذاته. ولم يبدِ اهتماماً بمشاعر المسيحيين العرب. وبدا أن «كروز»، الذي أعماه افتقاره للفهم والاهتمام، أكثر تركيزاً على إحراز نقاط سياسية لدى قاعدته المحافظة، من قضاء بعض الوقت في محاولة فهم ما يشعر به المسيحيون في لبنان وفلسطين والأردن وسوريا والعراق حقيقة، وما يريدون. ولو أنه استمع إلى البطارقة الستة من الكنائس الشرقية، مثلما فعل أوباما في اجتماع مطول يوم الخميس الماضي مع الأساقفة الذين تحدثوا جميعاً في المؤتمر، لسمع حديثهم عن تاريخ التعايش بينهم وبين المسلمين. وبالطبع، هم يشعرون بالقلق من صعود التطرف ومرعوبون من العنف الوحشي المفرط الذي يلجأ إليه دخلاء على الإسلام لنشر الإرهاب بغية تعزيز نفوذهم السياسي. ولكن بعيداً عن صب الزيت على نيران «صراع الحضارات»، الذي يؤجج مشاعر اليهود والمسيحيين ضد المسلمين، يسعى زعماء تلك الكنائس الشرقية إلى هزيمة التطرف وإنشاء نظام اجتماعي يمكنه بناء مجتمعات ترتكز على حقوق متساوية للجميع والمصالحة بين جميع التقاليد الإيمانية. بيد أن «كروز» لم يكن لينصت، فقد جاء إلى المؤتمر بمفاهيم مسبقة ورسالة مُعدة سلفاً، وكان يتحدث إلى مسيحيي الشرق الأوسط، محاولاً استخدامهم كذريعة لترويج أجندته، ولسوء الحظ فليس هو وحده من يفعل ذلك. فعلى مدار عقود، أولى السياسيون الأميركيون اهتماماً ضئيلاً لوقائع العالم العربي وتاريخ واحتياجات شعوبه. وانحصر اهتمامهم بالمنطقة على قضيتين هما إسرائيل والنفط. فشعروا بأن الأولى ضرورة من أجل طموحاتهم الانتخابية، أما الثانية فهي مهمة لرفاهيتنا الاقتصادية في الغرب. وقد أسفر النظر إلى العالم العربي من خلال هذه العدسات الضيقة المحدودة عن تفشي «جهل مطبق» بالمجريات الإقليمية الأوسع نطاقاً. ولم يقتصر الأمر على عدم معرفة السياسيين لما يقوله العرب أو ما يريدونه، ولكنهم أيضاً لم يرغبوا في معرفة ذلك! وقد أحدث هذا مجموعة خطيرة من الأمور، فعلى مدار العقود الأربعة الماضية منذ نهاية الحرب في فيتنام، أنفقنا أموالاً وأرسلنا أسلحة وخضنا حروباً وخسرنا أرواحاً كثيرة، وعرضنا مصالحنا للخطر في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر في العالم، وعلى رغم ذلك لا يزال فهمنا لشعوبه وتاريخها وثقافتها واحتياجاتها ضئيلاً. ولأننا لم نفهم المصريين والفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والعراقيين، انخرطنا في كوارث سياسة خارجية مكلفة ومأساوية أسفرت عن خسائر فادحة في الأرواح البشرية، وتضرر صورة وهيبة دولتنا في أنحاء هذه المنطقة بالغة الأهمية. وفي استطلاع أجريته، وجدت أن العرب يحبون قيمنا وثقافتنا وعلومنا وتكنولوجيتنا ومنتجاتنا وشعبنا الأميركي، ولكنهم يكرهون سياستنا لأنهم يرون تأثيرها السلبي على حياتهم وعدم اكتراثها بمخاوفهم، فهم يرغبون في صداقتنا، ولكنهم يشعرون بأننا نرفضهم!