كم عدد القصص الإخبارية الكبرى التي يمكن متابعتها في وقت واحد؟ هل هي الحرب في أوكرانيا؟ أم «داعش» في العراق؟ أم أخبار المشاهير حول العالم؟ إذا كنت ممن يشتغلون في مجال الإعلام ومكلف بوضع المقالات في الصحف وترتيب أجندة الأخبار في التلفزيون، فالراجح أن كمية الأخبار مهما كبرت منصة العرض الإعلامي ستكون محدودة، والأمر لا يتعلق فقط بوسائل الإعلام التي تفيض عنها الأخبار وتتجاوز قدرتها على الطرح والمعالجة، بل يمتد أيضاً إلى الأفراد وقدرتهم الذهنية على متابعة جميع الأحداث المهمة، ذلك أنه في حياتنا الفردية هناك انشغالات العمل والعائلة، وغيرها مما يحول دون المتابعة الشاملة، وهنا تتخذ الأمور منحى آخر، فقد مر حين من الدهر كان فيه علماء الاقتصاد يصنفون القرارات البشرية على أنها عقلانية تماماً، مفترضين في ذلك أن الناس يستخدمون كل المعلومات المتاحة لديهم لاتخاذ الخيارات المثلى في جميع الأوقات، لكن الاقتصاديين وبمساعدة من علماء النفس أدركوا أن هناك حدوداً لقدرة الإنسان على اتخاذ القرارات والإعداد الجيد لها، هذه القيود التي يطلق عليها اليوم «العقلانية المقيدة» أصبحت أكثر وضوحاً، فنحن الآن أمام خيارات لا حد لها في أمور تتراوح بين بالاستثمار والملابس والموسيقى والكتب والألعاب التي كلها متوفرة حالياً على الإنترنت، ورغم هذا التعدد في الخيارات والمعلومات لا يمكن القول بأننا نتخذ دائماً الخيار الصحيح، بل فقط نتخذ ما يبدو لنا خياراً جيداً بما يكفي. فما علاقة تعدد المعلومات وصعوبة الخيارات بالأخبار؟ الحقيقة أن ذلك كله يشير إلى استحالة متابعة كل الأحداث التي يشهدها العالم، فحتى أفضل المؤسسات الإعلامية وأقدرها لا تستطيع ذلك بسبب الموارد المحدودة، بل حتى الأفراد لا يقوون على ملاحقة جميع الأحداث، لأنه ببساطة لدينا أمور أخرى نقوم بها عدا متابعة الشاشات، أو قراءة الصحف، وبدلا من ذلك نفوض وسائل الإعلام بمهمة اتخاذ القرار نيابة عنا وتحديد ما الذي سيستأثر باهتمامنا، كما أن هناك عدداً محدوداً من وسائل الإعلام ذات الطابع الدولي، وهي تعطي الأولوية لأحداث معينة ولا يمكن أن تغطي كل الشأن الدولي، كما أن القصص الإخبارية التي تستقطب انتباه عدد أكبر من المشاهدين والقراء إنما تظل مدة أطول لأنها تجلب أموال المعلني. وعندما يفقد الجهور اهتمامه، تختفي القصص الخبرية لتفسح المجال لما هو أكثر شعبية، وهذا يعني أنه لا يمكن لقصة واحدة أن تحتل الحيز الإخباري لمدة طويلة مهما كانت أهميتها. ولعل ما يثبت ذلك الأخبار التي تظهر تم تختفي، والأحداث التي تصل الذروة، ثم تتوارى عن الأنظار مثل الحرب الأهلية في سوريا التي تجاوزت حاجز المائة ألف قتيل مع استمرار سقوط المئات يوميا، لكن مع ذلك لا نكاد نرى تغطية مفصلة لها اليوم. والسبب أن جدة الخبر وراهنيته تراجعت قليلاً وظهرت قصص أخرى شدت أنظار الإعلام إليها، والنتيجة أن نظام بشار الأسد، وأعداءه، تعاملوا مع الأمر، وكأنه ترخيص لمواصلة القتل بعيداً عن الاحتجاج الدولي، أو احتمال التدخل، وبإلقاء نظرة على الأحداث المهمة خلال السنة الجارية يتبين لنا مزاجية المتابعة الدولية وعدم استقرارها على حدث بعينه لمدة طويلة، فقد استأثر عدد من القصص الإخبارية بالأجندة الإعلامية، لكن لا يمكن القول إن قصتين منهما وصلتا معاً إلى نفس درجة الأهمية وحظيا بتغطية مماثلة وبالتساوي، وهكذا وعندما توجهت أنظار العالم في شهر مارس الماضي إلى الأحداث الملتهبة في أوكرانيا فإنها سرعان ما تراجعت عندما أعلن عن اختفاء الطائرة الماليزية، وليس لأن حدث الحرب الأوكرانية قد خسر الاهتمام الدولي كما حصل بالفعل مع مرور الوقت، بل فقط لأن الجمهور ووسائل الإعلام نقلت حيز تفكيرها والموارد المالية إلى قصة أخرى، بحيث لم يعد ممكناً التركيز على قصتين مهمتين في الوقت نفسه، ثم حصل أن اندلع القتال في غزة خلال شهر يوليو الماضي ليحتل الحدث مركز الصادرة في الاهتمام الدولي، لكن وفيما كانت المتابعة في أوجها وقع حدث آخر تمثل في إسقاط طائرة ماليزية فوق أوكرانيا، وبما أن الحدثين حصلا بالتزامن، حيث سقطت الطائرة في اليوم نفسه الذي بدأ فيه القتال في غزة، فإنه من الصعب على الإعلام والأفراد التركيز على حدثين كبيرين وإيلائها الاهتمام ذاته. وبعد أسابيع قليلة كان العالم قد حول أنظاره تجاه حدث آخر تمثل هذه المرة في تفشي فيروس إيبولا في غرب أفريقيا الذي اكتسح الساحة، وهمّش غيره من الأخبار، وفيما كان العالم يتابع تطورات الوضع، اندلعت أحداث العنف في فيرجسون بأميركا على خلفية الاحتجاجات المناهضة للعنصرية، وتبعها زحف تنظيم «داعش» في العراق وسوريا والأعمال الوحشية التي كان وراءها ليتشتت الانتباه الدولي وتنبري وسائل الإعلام في ملاحقة الأخبار الجديدة، وبالطبع ما أن طفت أخبار «داعش» على السطح حتى كف الاهتمام بإيبولا وعدد الضحايا الذين خلفهم المرض الوخيم، ولأن حداثة الأخبار وجدتها تمنحها الأولوية في التغطية الإعلامية وفي متابعة الجمهور، بحيث يتراجع الاهتمام حتى بأخطر الجرائم مثل المجازر التي ترتكب ضد المدنيين في سوريا، فإن ذلك يصب في مصلحة المتورطين في الجرائم بأن يصرفوا الانتباه الدولي وينتظروا حتى يخفت الاهتمام ليعاودوا ارتكابها من جديد، وهكذا تتحول الأحداث الدموية والصراعات العنيفة إلى مجرد حدث عادي، أو ما أطلقت عليه المفكرة الألمانية «حنا أرندت» في وصفها لجرائم الهولوكوست بـ«رتابة الشر»، فمع تكرار أعمال الشر وتواترها تتحول في نظر الإعلام ومستهلكيه إلى مجرد أحداث عادية، ولأنها لم تعد جديدة فهي لم تعد تندرج في إطار الأخبار. دانيال ألتمان أستاذ الاقتصاد بجامعة نيويورك ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»