مع اقتراب موعد رحيل القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي من أفغانستان، وتعثر إقرار نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت لانتخاب رئيس جديد يحل بديلاً لحامد كرزاي الخارج من السلطة، وتزايد الأعمال الحربية من قبل «طالبان» وغيرها من الفصائل المقاتلة، يبدو المستقبل الأفغاني غامضاً وغير قابل للتنبؤ به، وتبدو أفغانستان وكأنها مقبلة على دورة جديدة من رحى الحرب الأهلية الطاحنة المستمرة منذ سنوات. والواقع أن العديد من الأفغان يخشون عودة الحالة المدمرة التي كانت عليها بلادهم من العزلة والحرب الأهلية التي ليس لها أهداف حقيقية مقنعة، والحكم الشمولي المتسلط. وتوجد الآن مجموعة من الأسئلة المسبقة التي تدور في الذهن قبل أن تنسحب القوات الغربية عسكرياً وسياسياً بشكل كامل: فهل من المحتمل أن تعود «طالبان» إلى السلطة وتُقصي الحكومة المنتخبة التي عملت الولايات المتحدة على إقامتها بعد غزوها البلاد عام 2001؟ وهل سيتمكن الرئيس المنتخب الجديد من تولي السلطة قريباً أم أن أمور أخرى ستحدث تمنعه من ذلك؟ وما هو الدور الذي سيلعبه جيران أفغانستان في مستقبلها؟ وهل سيعود «فلول» تنظيم «القاعدة» للعمل داخل أفغانستان مرّة أخرى، حيث تجد لها ملاذاً آمنا؟ بالتأكيد أن الاستقرار سيتم تعزيزه إذا كان انسحاب قوات الولايات المتحدة جزئياً فقط وتدريجياً، عوضاً عن أن يكون كاملاً وفجائياً منذ البداية. كل من شعب أفغانستان والمراقبين الخارجيين يتوقعون بشكل فيه الكثير من المصداقية بأن مقاتلي «طالبان» لديهم قدرة قتالية عالية ودعم كبير من قبل العديد من الأطراف الخارجية سيتدفقون على العاصمة كابول بكثافة وهم مدججون بكافة أنواع الأسلحة ويستولون على السلطة، وذلك بغض النظر عن وجود جيش حكومي كبير وقوات شرطة وأمن ومخابرات. لذلك فإن الافتراض الذي تنطلق منه «طالبان» بالذات وداعمها الأول باكستان، هو أن الرئيس المنتخب والحكومة المنتخبة في كابول لن تستطيع الصمود أمام هجماتها بعد الانسحاب الكامل. ذلك الافتراض يأخذ «طالبان» إلى استراتيجية عدم التفاوض الجاد مع الولايات المتحدة والحكومة في كابول لإيجاد تسوية سياسية سلمية ولسان حالها يقول بأنه لا توجد حاجة إلى التفاوض إذا كانت السيطرة على البلاد يمكن الفوز بها في ساحات المعارك. والواقع أن التفاوض حول تسوية سياسية من موقف القوة بعد كسب الحرب ربما يكون هو الرهان الأكبر بالنسبة لـ«طالبان»، لكن يتوجب على الحركة أن تعي الحقيقة التاريخية بأنه رغم كسب الحروب السابقة في أفغانستان عن طريق التركيز على نفاذ صبر القوات الغازية وإجبارها على المغادرة في نهاية المطاف، خاصة بالنسبة للاتحاد السوفييتي، إلا أن تلك الاستراتيجية ربما تثبت بأنها غير مجدية مع الولايات المتحدة وحلف «الناتو» بسبب الإمكانيات الضخمة التي يملكونها، وما يتوفر لديهم من قدرة على الصبر. لذلك يمكن القول بأنه توجد أربعة أسباب بنيوية تشرح إمكانية عدم نجاح الاستراتيجية الطالبانية - الباكستانية القديمة المتجددة هي: أولاً، القادة الحكوميون المنتخبون المعترف بهم دولياً سيستمرون في تلقي كميات وتدفقات ضخمة من المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تفوق كثيراً ما لدى «طالبان»، ثانياً، ستجد «طالبان» بأنه من المستحيل عليها تطوير قدراتها الحديثة واستراتيجيتها الفعالة في التعامل مع القوات الأجنبية إلى قدرات عسكرية تقليدية توجد إليها حاجة للاستيلاء على المدن وقلب الحكومة المركزية، ثالثاً، الجماعات المحلية المقاتلة التي تساند «طالبان»، والتي يتم استقطابها وتعبئتها بشكل فعال تأييداً للحرب ضد الأجانب سيفقدون ترابطهم بعد زوال الهدف المشترك للحرب. رابعاً، وأخيراً، قادة «طالبان»، فهم خلال السنوات من 2001 إلى الآن أثبتوا بأنهم غير قادرين على تحقيق الانتقال السياسي من كونهم قادة لفصائل مقاتلة تنتهج حرب العصابات إلى قيادة وطنية تنقل بلادها إلى الدولة الحديثة. أمام هذه المعطيات، فإن استقرار أفغانستان بعد الانسحاب الغربي قد يبقى شأناً غير مدرك، وسيحتاج إلى وقت وجهد مضاعف من الأفغان أنفسهم لاستعادته عبر التوافق فيما بينهم، فهل هذا شأن مدرك؟ شك كبير يدور حول ذلك.