ساهمت الزيارة التي قام بها رئيس وزراء الهند «ناريندرا مودي» إلى اليابان الأسبوع الماضي في الارتقاء بعلاقات الشراكة بين البلدين إلى مستوى جديد، خاصة في ظل تنامي النفوذ الصيني. و«مودي»، الذي سيستضيف بالمناسبة الرئيس الصيني «شي جين بينج» خلال الأسابيع المقبلة، كان لديه جدول حافل في اليابان بدءاً من عقد محادثات مع نظيره الياباني «شينزو آبي» إلى عقد لقاءات مع قطاع عريض من الزعماء السياسيين. وكانت الرحلة غير عادية أيضاً لعدة أسباب. فقد قام رئيس وزراء الهند بتمديد زيارته إلى اليابان ليوم آخر، كما سافر «آبي» إلى مدينة «كيوتو» في اليابان، ليس فقط لاستقباله، ولكن أيضاً لمرافقته خلال الارتباطات. ومن المتوقع أن تستفيد العلاقات اليابانية – الهندية، التي ازدادت قرباً جراء تأكيد الذات والقوة العسكرية والاقتصادية المتنامية للصين، من الوفاق الشخصي بين الزعيمين. فكل من الزعيمين من الوطنيين المتطرفين اللذين جاءا إلى السلطة على وعد بدفع النمو الاقتصادي لبلديهما. وقد زار «مودي» اليابان في عام 2012، بينما قام «آبي» بزيارة لولاية «جوجارت» عام 2000 عندما كان «مودي» يشغل منصب كبير الوزراء بها. وبدأت هذه الألفة بين الزعيمين حتى قبل الزيارة. وقد غرد «مودي»، الذي ذهب على رأس وفد من كبار رجال الصناعة في الهند، قبل رحلته، برسالة باللغة اليابانية أعرب فيها عن سعادته بالزيارة وإمكانية تعميق العلاقات لمستويات أكبر في المستقبل. وقد عبر رئيس الوزراء الهندي، الذي قام بتمديد بقائه في اليابان ليوم آخر من أجل زيارة مدينة «كيوتو»، عن إعجابه بـ «مستوى الابتكار» في اليابان. وتعد الزيارة علامة مهمة في العلاقات الهندية – اليابانية، حتى وإنْ كانت مراقبة من قبل الدول الأخرى. وعلى الرغم من أن الجانبين لم يحرزا تقدماً بشأن اتفاق نووي كما كان متوقعاً، فإن اليابان وعدت بضخ استثمارات بقيمة 35 مليار دولار لتمويل البنية التحتية الهندية على مدار الخمس سنوات القادمة. ومن جانبه، تعهد «مودي» بتيسير وإعطاء أولوية للاستثمارات اليابانية من خلال آلية خاصة وسط وعود بتعزيز التعاون في مجالي الأمن والدفاع. يذكر أن العلاقات السياسية بين الهند واليابان قد شهدت تحسناً في السنوات الأخيرة مع توثيق العلاقات بين البلدين، والتي تعد من النجاحات القليلة للحكومة الهندية السابقة في مجال السياسة الخارجية. وقد شاركت اليابان في عدد من كبرى مشروعات البنية التحتية في الهند، خاصة مشروع شبكة السكك الحديدية لمترو نيودلهي، والذي يعد واحداً من العلامات البارزة لهذا التعاون. وتتعاون الدولتان حالياً لإقامة الممر الصناعي بين نيودلهي ومومباي بتكلفة 100 مليار دولار، لربط العاصمة السياسية دلهي بعاصمة الهند المالية مومباي. وفي ظل حكم «مودي»، الذي أعرب أكثر من مرة عن إعجابه بالسيد «آبي» واليابان، فمن المتوقع أن تزداد العلاقات قرباً. وتتطلع الهند للاستثمار في مجال البنية التحتية والتصنيع، ومن المتوقع أن تصبح منطقة رئيسية لجذب الاستثمارات اليابانية. ويُنظر أيضاً إلى العلاقات الوثيقة بين الهند واليابان باعتبارها تحقق الفائدة لكلتا الدولتين اللتين يحاول زعماؤهما دفع النمو الاقتصادي فيهما. فبالنسبة لليابان، تمثل الهند سوقاً رئيسيا وكبيرا لكل شيء، بما في ذلك الإنتاج المشترك في مجال الدفاع. وتجري نيودلهي وطوكيو مفاوضات لبيع طائرة إنقاذ برمائية يابانية للهند. وفي السياق نفسه، فإن كلا من الدولتين تركزان على تحقيق النمو في المجال الاقتصادي والأمني. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الزيارة تهيئ المناخ نوعاً ما لانخراط «مودي» بسياسته الخارجية في هموم المنطقة حيث تطلق قوة الصين المتزايدة جرس إنذار لكل من نيودلهي وطوكيو. وجدير بالذكر أن كلا من الهند واليابان لديهما مشاكل حدودية مع الصين، والتي تشتعل على فترات منتظمة. فاليابان لديها نزاع مع الصين حول جزر «سينكاكو»، بينما تشترك حدود الهند البرية مع الصين، الأمر الذي يحدث نزاعات في أماكن عديدة. وعلى الرغم من أن الصين تبرز ضمن خطة «ناريندرا مودي» لجذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أنه قد وعد بأن يكون أكثر صرامة من الحكومة السابقة فيما يتعلق بالنزاعات الحدودية مع الدول المجاورة. وخلال حملته الانتخابية كان يطالب الصين بالتخلي عن «عقلية التوسع» الخاصة بها فيما يتعلق بولاية «أرونا تشال براديش» الهندية التي تزعم الصين أنها خاصة بها. وبصرف النظر عن التعاون الاقتصادي، فإن اليابان تنظر أيضاً إلى الهند باعتبارها مضادة للصين، كما يعد التعاون الأمني الوثيق مع الهند في المجال البحري هو أكبر اهتمامات اليابان. كما ستكون الدولتان حذرتين فيما يتعلق بعدم دفع الصين بعيداً، حيث إن كلا من الدولتين لديهما علاقات تجارية قوية مع بكين. تعد اليابان رابع أكبر مستثمر أجنبي في الهند، لكن العلاقات التجارية بين البلدين شهدت تراجعاً، حيث تفوقت الشركات الكورية الجنوبية والصينية والتايوانية على نظيراتها اليابانية فيما يتعلق بالاستفادة من السوق الهندي الشاسع. وبينما بلغ حجم التجارة الثنائية بين الهند واليابان 18.43 مليار دولار خلال عامي 2011-2012، قفز حجم التجارة مع الصين إلى 66 مليار دولار خلال الفترة ذاتها . لكن اليابان والهند أظهرتا حرصاً واهتماماً على تعزيز العلاقات، حيث لا توجد في أي منهما اضطرابات داخلية.