يتجه الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى قيادة تحالف دولي إقليمي لمواجهة تنظيــــم «داعش» في منطقتنا. ثمة من يقول في الإدارة الأميركية إن الهدف هو احتواء التنظيم فقط. وثمة من يضيف: الاحتواء وصـولاً إلى التدمير لاحقاً! في كل الحالات الأسئلة التي تطرح تتضمن التالي: لماذا فجأة قررت الإدارة الأميركية مواجهة هذا التنظيم؟ هل فوجئت بحجم قوته وحضوره وتمدّده وخطر مشروعه؟ ألم تكن تملك المعلومات الأساسية على الأقل عن التنظيم وهو الذي منذ مدة يعلن مواقف خطيرة ويحقق تقدماً على الأرض في سوريا ويصبح القوة الأولى في مناطق عديدة خارج إطار النظام؟ هل ظهر فجأة التنظيم في العراق؟ وهل تمت عملية الموصل التي أوصلته إلى هذا الموقع المتقدّم في العراق ليكسر حدوده مع سوريا، ويعلن دولته في الدولتين السورية والعراقية؟ ألم تكن أميركا تعرف ذلك؟ ألم تكن على إطلاع على مجريات الأمور؟ هل فوجئت بحدث الموصل؟ أم فوجئت لاحقاً بتجاوز الحدث حدود توقعاتها والمسموح به، وهذا هو الأرجح، فكانت الخطوط الحمر التي رسمت: ممنوع المسّ بأربيل، ممنوع المسّ ببغداد، إبقوا حيث أنتم، بمعنى آخر: رسمت حدود «المناطق» الشيعية وحدود المناطق الكردية حيث المصالح الاستراتيجية النفطية والسياسية والأمنية لأميركا، وحيث لإسرائيل مصلحة مباشرة، وســـاحة الصراع السُنية، واقتتلوا فيما بينكم دون تجاوز هذه الحدود الآن! وقد طار المسيحيون والإيزيديون في الطريق! تطورت الأمور، ولد شعور بالخطر من «داعش» وممارساته الإرهابية بعد قتل الصحفيين الأميركيين وبعد تمدده على أراض واسعة في العراق وسوريا وتنامي الدعوات- في الغرب والعالم العربي خصوصاً- إلى مواجهة هذه الحالة. قررّ أوباما المواجهة، ودعا إلى تشكيل تحالف دولي، والمفاجأة كانت الإصرار على استبعاد روسيا وإيران منه وهما دولتان أساسيتان فاعلتان مهمتان معنيتان بالمواجهة مباشرة. لماذا؟ هنا السر، وهنا بيت القصيد، وهنا المخاوف من الدور الأميركي الجديد! الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» يقول : «من المهم أن يكون المجتمع الدولي متحداً ويظهر تعاطفاً قوياً مع أي عمل يجب أن يتخذ لاقتلاع هذا الإرهاب»! مؤكداً أن «لاحاجة لقرار من مجلس الأمن لتشكيل التحالف للقيام بعمل ضد الارهاب، ولذلك قرر بعض الدول اتخاذ اجراءات عسكرية دون قوات على الأرض، عمليات جوية وبعض الدعم العسكري وضربات جوية لأن الآخرين يقتلون بطريقة متوحشة وهذا غير مقبول»! والرئيس أوباما يؤكد أن التدخل سيكون في العراق، أما في سوريا فسيدعم المعارضة المعتدلة ولا يريد تدخلاً برياً، انطلاقاً من كلام «مون»، ألم يقتل النظام السوري بطريقة متوحشة مثلاً؟ لماذا لا يكون تدخل ما دمنا لسنا بحاجة إلى قرار من مجلس الأمن فيما العائق في مجلس الأمن كان دائماً روسيا والآن لسنا بحاجة إليها؟ وإذا كنا بحاجة إلى مجتمع دولي متحد، فلماذا استبعاد روسيا؟ روسيا، وقبل تطورات الأوضاع في سوريا والعراق تواجه نوعاً من الإرهاب في عدد من جمهورياتها! وثمة من جاء من هناك إلى العراق وسوريا للقتال من أجل قيام دولة الخلافة الإسلامية. إذن ، إذا كان هدف أوباما مثلاً مواجهة هذا الإرهاب فإن ثمة مصلحة مشتركة بين بلاده وروسيا في هذه المعركة، فلماذا استبعادها عند الشراكة؟ منطق الأمور يقول، سواء أكنا بحاجة إلى قرار في مجلس الأمن أم لا، فإن هذه الشراكة ضرورية، مع الأخذ بعين الاعتبار المشاكل الكبيرة بين روسيا وأميركا، والابتعاد عن وهم إمكانية حلها من خلال هذه الشراكة دفعة واحدة والآن. لكن الشراكة في موضوع قد تؤدي إلى تفاهمات لاحقاً لأنها تؤسس ثقة، وإذا كانت إدارة أوباما تعتبر أن الأولوية لمواجهة خطر «داعش» وتوافقها في ذلك دول غربية مهمة، فإنه ينبغي التفاهم مع روسيا. لماذا استبعادها؟ كأن ثمة من يريد في أميركا القول: نريد تحالفاً لعمل دولي إقليمي في العراق فقط، مع إمكانية تأثير ذلك في سوريا. لكن دون السماح لروسيا بالمشاركة والاستفادة. وليبقى خطر الإرهاب يهددها على أراضيها! يعني لتشتعل الحرب وربما لتفكك روسيا لاحقاً! هل هذا في مصلحة الاستقرار في العالم؟ وماذا ينتظر من روسيا التي تملك أوراقاً كثيرة ومواقع نفوذ كثيرة وكبيرة في العالم؟ هل ستشكر أميركا على «أفضالها»، أم أنها ستذهب إلى استخدام كل هذه الأوراق وبناء تحالفات ومحاور تجعلها قادرة على المنافسة وحماية مصالحها انطلاقاً من سوريا والى آخر موقع تتواجد فيه؟ وفي السياق ذاته يأتي استبعاد إيران، وهي دولة إقليمية قادرة وفاعلة ومعنية جغرافياً وسياسياً وأمنياً بما يجري. بعد حدث الموصل كان تبادل غزل بين أميركا وإيران وإعلانات نوايا متبادلة لتعاون في مواجهة خطر الإرهاب «الداعشي». وكانت المفاوضات المباشرة بين الدولتين قائمة حول الملف النووي الإيراني. وسبق أن وقّع اتفاق بينهما، وإيران تريد الوصول إلى اتفاق نهائي وكذلك أميركا التي تمارس في وجهها إسرائيل سياسة الابتزاز، ولا تريد اتفاقاً مع ايران دون الحصول على أثمان مسبقة وضمانات مستقبلية! وقد نجحت في تأخر الكثير من الخطوات في هذا المجال! في النهاية إذا لم تدخل إيران شريكاً في التحالف ضد «داعش»، وإذا كان استثناؤها مقصوداً ونهائياً فماذا ينتظر منها؟ أن تشكر أصحاب هذا التوجه وهذه النوايا؟ أم أنها ستذهب أيضاً الى استخدام كل أوراق القوة والنفوذ لديها في المنطقة وهي كثيرة في العمق العربي الإسلامي في عدد من دولنا؟ ماذا يعني ذلك؟ يعني أيضاً اشتعال ساحات التوتر أكثر، اتساع دائرة المواجهات، استمرار النزف، والغريب أن هذا الأمر يأتي بعد كلام للرئيس الأميركي يقول فيه «إن مصدر القلق لدى أهل السُنة ليس إيران، بل الإرهاب»! غريب : كانـوا يرفضون العداء لإسرائيل، كبّروا خطر إيران حتى باتت مواجهتها أولوية تتقدم على إسرائيل كما كان يقول البعض في منطقتنا، ويتهم دولاً أو قادة عرباً بهذا الأمر. اليوم باتوا يقولون: ليست إيران مصدر القلق، يعني لا إسرائيل ولا إيران بل الإرهاب. والإرهاب في نظرهم في البيئة السُنية فليكن اقتتالا سني – سني . وشئنا أم أبينا ثمة اقتتال سني – شيعي، وبالتالي اقتتال مذهبي هنا. وثمة مشكلة كردية . فلتكن الفوضى وليكن الدم في كل مكان واسرائيل هي المستفيدة. وبالعودة إلى سوريا، يجدد الرئيس الأميركي وعده بدعم المعارضة المعتدلة! وتدريب قواها! مزحة ثقيلة جداً. بعد كل هذه السنوات وبعد تقدّم «داعش» يذهب إلى تأسيس معارضة معتدلة! و«داعش» باتت تسيطر على جزء كبير من الأرض السورية. وثمة من يريد أن يكون الخيار بين "داعش والنظام السوري ! والرئيس الأميركي يريد الآن بناء معارضة معتدلة. ترى ألم تكن المعارضة معتدلة في البداية؟ لماذا لم تدعم ؟ لماذا لم تعط الدور؟ ولماذا تركت الأمور حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وقد استخدمت الأسلحة الكيماوية في مرحلة، وكان قتلاً جماعياً، واليوم ورغم الحديث عن تسليم هذه الأسلحة نرى قتلاً جماعياً بالكلور وغيره؟ إلى أن تقوم المعارضة المعتدلة وفق خطة أوباما، يكون دم كثير قد سال في سوريا ولا أفق للحل! ذاهبون إلى صدام كبير في المنطقة وعمليات أمنية كبرى ستستهدف ربما مدناً ومواقع كثيرة وكبيرة ولا ثقة بأميركا وسياساتها التي لن تكون وعودها ومشاريعها وتحالفاتها التي تحضّر اليوم أفضل من سابقاتها.