معظم المديرين الذين يفشلون ويتعرضون للانحراف، كانوا مديرين صاعدين وناجحين، وقد تم استقطابهم واختيارهم بعناية؛ إذ علاوة على سيرهم الذاتية المثيرة للإعجاب، فقد اشتهروا بأنهم «نجوم» و«نابغون» و«موهوبون جداً»، كما اشتهروا بالمهارة والطموح والثقة بالنفس. بيد أن تكلفة الإخفاق أو الانحراف باهظة، مادياً ومعنوياً، سواء بالنسبة للمؤسسة أو للمدير التنفيذي الفاشل. فبعض هؤلاء ينتهي بهم الحال في السجن، وقد يتم الاكتفاء بإقالتهم، وآخرون ينهارون عصبياً فيستقيلون فجأة لـ«قضاء كثير من الوقت مع أسرهم»، وبعد أن كانوا متعطشين لأضواء وسائل الإعلام، نجد أنهم اختفوا فجأة عن الأنظار. فما الخطأ الذي يؤدي إلى ذلك؟ ولماذا تصبح أوجه قصورهم جلية فيما بعد ولم تظهر خلال مراحل الاستقطاب والاختيار والترقية؟ وما الدروس التي يتعين استقاؤها من دراسة انحراف مسار القادة؟ وهل يمكن تفاديها وعلاجها؟ وما المسؤوليات التي يتحملها الأتباع؟ في كتابه الذي نعرضه هنا، «الفيل في غرفة مجلس الإدارة.. أسباب انحراف القيادة»، يحاول أدريان فورنهام، أستاذ «علم نفس الإدارة» في كلية لندن، الإجابة على تلك الأسئلة، مع التعريف بقادة الأعمال العظماء المحتملين، والذين غالباً ما يتمتعون بمهارة كبيرة وجاذبية وعزيمة. فهم أناس قُدّر لهم أن يصبحوا موهوبين وذوي قيمة عالية. ويغوص الكتاب في تفاصيل تنظيمية ونفسية واقتصادية حول القادة المنحرفين والفاشلين وغير الأكفاء، مبيناً أن الصعود إلى قمة أية مؤسسة يحتاج قدرةً وجهداً، أي إلى عزيمة قوية ومهارة كبيرة، وأن قادة المؤسسات يحتاجون للتحلي بالشجاعة والجرأة والثقة بالنفس والمهارة الاجتماعية، إضافة إلى أشياء أخرى كثيرة. وعلى العكس من ذلك يتخذ المديرون السيئون قرارات سيئة، ولا يستطيعون تحفيز موظفيهم، ويخفقون في التعلم من أخطاء الماضي. إنهم يفشلون في أساسيات الإدارة، مثل تشكيل فريق عمل ينجز مهمات مناسبة تستحق العناء، وتحفيزه على ذلك، وصوغ أهداف وتحديات واضحة. فالقادة الفاشلون والمنحرفون عن المسار، كما يقول «فورنهام»، لا ينجزون، ذلك لأنهم منفذون ضعفاء لأهدافهم، ولا يحققون النتائج المطلوبة، بل يتهربون أو يتخذون قرارات ضعيفة، وببساطة هم لا ينجزون شيئاً، كما أنهم لا ينتهجون الأساليب الإدارية الجيدة، ولا يضعون الشخص المناسب في المكان المناسب، ولا يعالجون ضعف الأداء، وغالباً ما تكمن مشكلتهم الأساسية في التواصل مع الناس. وإذا كان للقادة الجيدين أثر ملموس في جميع نواحي الأداء التنظيمي للمؤسسة، فإن تكلفة الفشل يمكن أن تكون مرتفعة جداً. فكثير من هؤلاء يسببون أضراراً غير قابلة للإصلاح، وقد تؤدي أخطاؤهم إلى انهيار المؤسسات وخسائر كبيرة، والأسوأ من ذلك أنهم يجرّون الجميع معهم إلى الهاوية. ويتوسع الكتاب في شرح التكلفة الباهظة لفشل الإدارة، مشيراً إلى أنها قُدِّرت عن كل «مدير كبير» بنحو مليوني جنيه/ دولار/يورو. ورغم أنها تقديرات تخمينية فإنها واقعية بالنظر إلى جميع العوامل التي يتعين وضعها في الحسبان؛ مثل تكلفة تعيين الموظفين الجدد واختيارهم وتدريبهم، والذين يحلون محل أولئك الذين تركوا المؤسسة بسبب مدير بعينه. وهنا يشدد المؤلف أيضاً على أن المديرين السيئين ينقلون الضغط والتوتر إلى جميع من حولهم، لذلك فهم يمثلون خطراً صحياً، عقلياً وبدنياً، بل إنهم يستطيعون وحدهم تحطيم مؤسسات بأكملها وتدميرها. ولا تقتصر المسؤولية عن الانحراف داخل غرفة مجلس الإدارة على المديرين وحدهم، وكما يقول المؤلف فإن للأتباع أيضاً دورهم في الانحراف عن المسار؛ فبعضهم يتآمر بطريقة غير نزيهة من خلال صرف التركيز عن القضية الرئيسية الأوْلى بالاهتمام، وآخرون يطالبون بأكثر مما يمكن للأفراد تلبيته ويحملونهم أعباء غير قابلة للتحقيق (ويتوقعون منهم تحقيقها!)، وغيرهم يثيرون ضغوطاً كبيرة قد تجعل القادة ينهارون تحت وطأتها. وإلى ذلك، يناقش الكتاب باستفاضة أهم الأنماط والسمات الشخصية للمديرين التنفيذيين، وأساليبها واضطراباتها، ويتوقف بصفة خاصة عند «السيكوباتي الناجح»، و«النرجسية في العمل»، ثم «القائد الميكافيلي». ومن النقاط الإيجابية والمثيرة للتفاؤل في هذا الكتاب، ما يوضحه من أن المؤسسات الناجحة تميل إلى أن تُدار بطريقة جيدة، وأن هناك ممارسات وإجراءات جيدة في الإدارة؛ فالعمليات تخضع للمراقبة والتطوير، وتكون الحوافز منصفة ومتسقة مع أداء الأهداف التي يجري تحديدها بانتظام وواقعية، لأن الإدارة الجيدة جزء لا يتجزأ من الأداء التنظيمي. محمد ولد المنى ------ الكتاب: الفيل في غرفة مجلس الإدارة.. أسباب انحراف القيادة المؤلف: أدريان فورنهام الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2014