لا يخفت النقاش المحتدم في واشنطن بين المحافظين والتقدميين إلا لكي يعود مجدداً ليتخذ شكل الصراع الأيديولوجي كلما لاح موعد الانتخابات، فالجدال حول دور الحكومة وعلاقة المجتمع بالدولة وما يترتب عليه من تفاصيل تهم الإصلاح الضريبي وتقليص النفقات تكاد لا تنتهي في ردهات الكونجرس، إلى درجة ما عاد معها الشعب الأميركي قادراً على تحمل مساجلات يراها بعيدة عن انشغالاته اليومية. هذا النقاش الحاد انخرط فيه بول رايان، المرشح السابق لمنصب نائب الرئيس والعضو الجمهوري البارز في مجلس النواب، والذي يرأس لجنة الموازنة العامة في المجلس، من خلال كتابه الجديد «الطريق إلى الأمام.. تجديد الفكرة الأميركية». ويسعى رايان في كتابه لإحياء السجال الأميركي حول دور الحكومة في الاقتصاد، وذلك من منطلق أيديولوجي لا يخفي فيه النائب الجمهوري انتماءه المحافظ، لكن قبل الخوض في غمار أيديولوجية المحافظين التي يرى الكاتب أنها تقع في عمق وجوهر تطور الفكرة الأميركية، بدءاً من الآباء المؤسسين الذين وازنوا بين حاجيات المجتمع ومنطق الدول إلى القادة الحاليين- يستعرض النائب الجمهوري قصته فيما يشبه سيرة ذاتية يلخص فيها مشوراه السياسي وطريقه إلى القمة. بدأ رايان حياته في حضن أسرة متواضعة بإحدى المدن الصغيرة في الجنوب تسمى «جينزفيل»، حيث يعيش أيضاً 67 من أبناء عمومته الذين شكلوا بعد وفاة والده المفاجئة، والكاتب لم يتخطَ 16 سنة، بسبب مشاكل إدمان الكحول، درعاً ساعد العائلة على تجاوز مشاكلها، لكن الكاتب يشير أيضاً في معرض سرده لسيرته الذاتية إلى العقبات التي اعترضته وهو يعمل منذ سن مبكرة دون أن يخسر طموحه الذي دفعه للانتساب للجامعة وتحقيق الذات. ولا ينسى رايان الذي عاد إلى مدينته وترشح باسمها في الكونجرس، الاعتذار عن الخطأ الذي تلفظ به وتناقلته وسائل الإعلام. ففي تجمع انتخابي خلال 2012 عندما كان يخوض حملته الانتخابية إلى جانب ميت رومني، المرشح الرئاسي، تحدث رايان عن الفرق في أميركا بين «من يأخذون» من الحكومة و«من يعطون» في إشارة إلى المستفيدين من البرامج الاجتماعية التي تثقل كاهل الحكومة وتفاقم العجز حسب المحافظين، وبين من يدفعون الضرائب لتمويلها. غير أن الاعتذار عن زلة لسان ريانا التي ألبت عليه سخط فئات واسعة من المجتمع الأميركي، لا تعني تغييره لمواقفه المبدئية. فحسب اعتقاده، ليس هناك أخطر على فكرة أميركا وحلمها العتيد من الأفكار التقدمية التي تطالب بفرض مزيد من الضرائب وإطلاق يد الدولة في دواليب الاقتصاد، كما أن برامج الاستحقاقات الاجتماعية التي ينتقدها المحافظون، وعلى رأسها برنامج «أوباماكير» للرعاية الصحية من شأنها تعميق العجز المالي ومعه الدين العام الذي يقول رايان إنه كان عندما تولى أوباما الرئاسة لا يتجاوز سقف 10.6 تريليون دولار ليقفز اليوم إلى نحو 18 تريليون دولار، بل يتوقع مكتب الموازنة في الكونجرس أن يصل الرقم بحلول 2014 إلى ما يناهز 27 تريليون دولار. لذا يقترح رايان خطة بديلة تهدم الفكرة التقدمية من أساسها وتُترجم إلى إجراءات بعينها، بادئاً بإلغاء برنامج الرعاية الصحية الذي أقره أوباما واستبداله بإصلاح «قائم على السوق وموجه أساساً لمصلحة المريض»، مع رقابة حكومية حتى لا تقع تجاوزات تغمط حق المواطن. وحتى لا يتضخم التأمين الاجتماعي، يقترح رايان إصلاح صندوق المعاشات بفتح حسابات خاصة للمتقاعدين، هذا بالإضافة إلى حديثه عن الإصلاح الضريبي وإنهاء الرأسمالية الزبونية وتبني عدد آخر من الإصلاحات كلها تصب، حسب رأيه، في استعادة التوازن المالي والحد من الاختلالات الاقتصادية. لكن، وفيما وراء هذه التدابير الإجرائية تقبع الفكرة المحافظة نفسها التي ترى، كما يوضح ذلك رايان نفسه، أن «المجتمع يعمل من خلال مؤسسات تنشط في المساحة الفاصلة بين الفرد والدولة» وأن «الحكومة إنما تبرر وجودها بحماية هذه المساحة التي تتحقق في صلبها كل الإنجازات»، ومن ثم يختزل دور الحكومة في «مهام إسنادية» تحمي حقوق الفرد وتحول دون تغول المجتمع، أو تطاول الدولة من خلال إقامة التوازن المطلوب بين مؤسساتها وحاجيات الفرد للانطلاق والإبداع والمساهمة في الثقافة الاجتماعية، هذه الأخيرة يرى المحافظون أنها تتعرض على الدوام إلى تحرش الدولة التي تسعى من خلال برامجها المتعددة إلى محاصرة هذه الثقافة بطابعها التضامني والتطوعي واستبدالها بوصاية المؤسسات الحكومية والاستحقاقات الكثيرة. زهير الكساب الكتاب: الطريق إلى الأمام.. تجديد الفكرة الأميركية المؤلف: بول رايان الناشر: جراند سنترال تاريخ النشر: 2014