يجتمع عدد من هيئات الصحة الرائدة هذا الأسبوع في مقر منظمة الصحة العالمية في جنيف لمناقشة سبل مواجهة أحد التهديدات الأكثر إلحاحاً للبشرية. لكن هذا التحدي لا يتمثل في فيروس الإيبولا ولا مرض نقص المناعة (الإيدز) ولا الملاريا أو السرطان أو أمراض القلب والسكر. إنه مشكلة التغير المناخي، وهي مشكلة لا تناسب التعريف التقليدي للأخطار الصحية، ومع ذلك فهي تهدد بإضعاف صحة الأفراد والمجتمعات في كل دولة تقريباً. في عام 2009، وصفت مجلة «لانسيت» التغير المناخي بأنه «أكبر تهديد للصحة العالمية في القرن الحادي والعشرين». ومنذ ذلك الحين، زادت التهديدات بشكل كبير. وقد بدأت حرارة الكوكب بالفعل، نتيجة لحرق الوقود الأحفوري، في تدمير صحتنا عن طريق تحويل وتضخيم عبء الأمراض. أما الأمراض المنقولة عن طريق الحشرات، مثل الملاريا والحمى القطبية، فهي تهاجر إلى المناطق التي لم تكن مصابة سابقاً، في حين أن العواصف الهائلة، مثل إعصار «ساندي» و«يولاندا» و«كاترينا»، قد أثرت على أو دمرت مستشفيات بأكملها. كما يموت سبعة ملايين شخص سنوياً جراء تلوث الهواء، بينما يموت عدد أكبر بسبب أمراض الإيدز والملاريا مجتمعين. والأمر الأكثر إثارة للقلق أن التغير المناخي يتسبب حالياً في ارتفاع مستويات البحار والجفاف إلى جانب معدلات غير مسبوقة من حرائق الغابات والعواصف القوية بشكل فظيع. وهذه لديها قوة كبيرة على إضعاف القواعد الزراعية في العديد من البلدان، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث المجاعات والصراعات والهجرة الجماعية. إن قطاع الصحة العالمية غير مؤهل لمثل هذا الهجوم. وعليه، فما الذي يمكن عمله إزاء هذا الأمر؟ لهذا السبب يجتمع وزراء الصحة ومسئولو منظمة الصحة العالمية والمنظمات الصحية في جنيف، لمناقشة هذه الأزمة. وإننا لنحثهم على الإسراع بتعزيز دور الرعاية الصحية لمواجهة تهديدات التغير المناخي بثلاث وسائل أساسية. أولا، ينبغي أن يكون قطاع الصحة قدوةً، وأن يقلل من انبعاثات الكربون الخاصة به. لكن على العكس من ذلك، فإن سلسلة التوريد الخاصة بالرعاية الصحية العالمية تساعد على تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري. وعلى سبيل المثال، فإن خدمة الصحة الوطنية في الولايات المتحدة تساهم بـ25 في المائة من انبعاثات القطاع العام الأميركي. كما أن المستشفيات هناك تساهم بـ8 في المائة من حمولة الغازات الدفيئة في البلاد. وتعلم المستشفيات أن بإمكانها توفير المال من خلال خفض انبعاثات الكربون عبر كفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، والإدارة المستدامة للنفايات، وتوفير مصادر الغذاء المحلية، واستراتيجيات الشراء الخضراء. وقد التزمت آلاف المستشفيات والأنظمة الصحية بذلك كجزء من شبكة جديدة تسمى شبكة التكنولوجيا الخضراء العالمية والمستشفيات الصحية. ويطمح بعض القادة الصحيين المجتمعين إلى أن يصبحوا من المستخدمين منخفضي الطاقة ومحدودي الاستهلاك لمواردهم، حتى يكونوا قدوة طموحة للآخرين. ثانياً: نحن بحاجة إلى بناء أنظمة صحية أكثر مرونة، وإلى الانتقال من بناء الأبراج اللامعة للأمراض المزمنة إلى تطوير مستشفيات وعيادات صحية مناسبة تخدم المجتمع بصفة يومية وتقدم الدعم خلال الكوارث. وعندما انطفأت الأضواء في معظم أنحاء نيويورك أثناء الإعصار الهائل «ساندي»، فإن الأضواء التي استمرت في الموقع كانت تلك التي تعمل بتكنولوجيا التوليد المشترك الموفرة للطاقة. هذه المرونة المقاومة للكوارث، والتي تقلل التأثيرات المناخية، ينبغي أن تصبح ممارسة معتادة في المستشفيات. كما أن هذه المرونة في سرعة التغلب على المشكلات تعني أن المراكز الصحية الريفية في البلدان ذات الدخل المنخفض ينبغي أن تعطي أولوية لتوفير المياه الصالحة للشرب كاستراتيجية صحية وقائية. وينبغي أن تستثمر العيادات الصحية الريفية في مجال الألواح الشمسية والتي تمدها وتمد كذلك المجتمع الأكبر بالطاقة. وتقوم هذه الاستراتيجيات بنسج التنمية الاقتصادية المستدامة والخطط الصحية معاً. فعلى سبيل المثال، قامت مجموعة من المستشفيات والجامعات في كليفلاند، بولاية أوهايو، باستثمارات في مجال تعميم استخدام الطاقة الشمسية في المجتمعات، وكذلك في مجال الزراعة الحضرية، وقام مستشفى في نيبال بإنشاء سوق لإعادة تدوير المواد البلاستيكية المعقمة. ثالثاً: إننا جميعاً لدينا مصلحة في تحويل نظم الطاقة للحد من التلوث. إن القيام بذلك سيعمل على حماية الصحة وإنقاذ الأرواح وتوفير الأموال. وعلى سبيل المثال، خلصت دراسة أعدها البنك الدولي إلى أنه إذا قامت الهند بتقليص إنتاج الفحم والنفط، فإنها تقلل من تلوث جسيمات الهواء بنسبة 30 في المائة، كما توفر 60 مليار دولار سنوياً من نفقات الرعاية الصحية بحلول عام 2030. وبالمثل، فإن وكالة حماية البيئة الأميركية قدرت قيمة الوفورات في مجال الصحة والرفاه، نتيجة لقانون الهواء النظيف، بنحو تريليوني دولار خلال الفترة من 1990 إلى 2020. وعلى الجانب الآخر، ينبغي للأطباء في كل مكان الدفاع عن استخدام سياسات طاقة أكثر أماناً للصحة. كما ينبغي عليهم ممارسة الضغوط على الحكومات المحلية والوطنية لوضع التكاليف والآثار الصحية في الاعتبار عند اتخاذ قرارات تتعلق بالاستثمار في مجال الطاقة والتنمية. تماماً كما قام المتخصصون في مجال الصحة بتثقيف الناس وتحسين السياسات العامة بالنسبة لاستخدام التبغ، على قطاع الصحة الاضطلاع بدور مماثل في الدعوة إلى تقليل الاستخدام العالمي للوقود الأحفوري. إننا بالفعل نشهد تغيراً إيجابياً: فقد أصبحت الجمعية الطبية البريطانية أول منظمة صحية تنضم إلى العدد المتزايد من الجامعات والمؤسسات في التصويت لتصفية أصولها من الوقود الأحفوري. لم يعد التغير المناخي يمثل تحدياً في المستقبل، يؤثر فقط على الدببة القطبية في القطب الشمالي والشعاب المرجانية في المناطق المدارية. لقد أصبح التغير المناخي تهديداً ملحاً ومعقداً للصحة، وله تأثيرات على جميع من يعيشون على هذا الكوكب. وينبغي على قطاع الرعاية الصحية توسيع مهمته لإبطاء التغير المناخي بالقدر الكافي لحماية النظم الطبيعية التي تدعم الحياة على كوكب الأرض. ------- جوش كارلاينر خبير في شؤون الصحة العالمية جاري كوهين رئيس مؤسسة «الرعاية الصحية بلا أضرار» ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. انترناشيونال»