لا شك أن يوم الخميس 18 من سبتمبر الجاري سيكون يوماً مشهوداً بالنسبة لبريطانيا؛ إذ من المنتظر أن يشارك فيه الاسكتلنديون المقيمون على أرض الوطن، في أهم عملية اقتراع في حياتهم. وهذا الاستفتاء ذو مغزى كبير وينطوي على احتمالين لا ثالث لهما؛ فإما فوز المصوتين بكلمة «نعم» للاستقلال عن بقية المملكة المتحدة، أو «لا» التي تعني البقاء ضمن منظومة الاتحاد البريطاني الذي بقي متماسكاً خلال الأعوام الثلاثمائة الماضية. وحتى بداية هذا الأسبوع، أثبتت كافة عمليات استطلاع الرأي التي تجرى عادة قبل يوم الحسم، أن الأصوات التي ستنطق بكلمة «لا» سوف تحقق تقدماً طفيفاً، إلا أن الأصوات الموافقة على الانفصال يمكن أن تفوز أيضاً وذلك وفقاً للمواقف النهائية التي سيتخذها الاسكتلنديون المترددون والذين يتراوح عددهم بين 10 و20 في المئة من مجمل أصوات الناخبين. ومن الواضح أن ترجيح كفة المصوتين بالإيجاب سوف تكون هائلة النتائج وكثيرة التداعيات. وذلك لأنه سوف يعني أن مستقبل المملكة المتحدة، التي تضم إنجلترا وإيرلندا الشمالية واسكتلندا، سوف يصبح على المحكّ، كما سيكون له تداعياته السياسية العالمية. أما فيما يتعلق بالتأثيرات المحلية الظرفية لهذا الاختيار، فسوف يكون أكبر الخاسرين رئيس الوزراء عن حزب المحافظين دافيد كاميرون الذي سيرتبط اسمه خلال التاريخ المقبل بأنه الرجل الذي خسر اسكتلندا، لذلك لابد أن يتعرض لضغوط هائلة لتقديم استقالته. ومن المهم هنا الإشارة أيضاً إلى أن خصوم كاميرون من أعضاء «حزب العمال» سيكونون أيضاً في عداد كبار الخاسرين. ويعود هذا الحكم لأسباب وحسابات سياسية تنطوي على بعض التعقيد. وذلك لأن «حزب العمال»، خلافاً لـ«حزب المحافظين» الذي يمتلك نائباً اسكتلندياً واحداً فقط في مجلس العموم البريطاني في ويستمنيستر، يمتلك 59 نائباً اسكتلندياً. وإذا اختارت اسكتلندا الانفصال فإن هؤلاء النواب العماليين لن يحتفظوا بمناصبهم السياسية. ولهذا السبب، سوف يكون من المستحيل على «حزب العمال» أن يفوز بأغلبية مقاعد مجلس العموم في الانتخابات العامة التي ينتظر إجراؤها في عام 2015. ولهذا السبب عمدت الأحزاب الرئيسية في بريطانيا إلى تقديم عدد من الحوافز والميزات الإضافية إلى اسكتلندا لو أن شعبها صوّت لصالح البقاء في المملكة المتحدة. ومن تلك الحوافز، منح سلطة تشريعية أقوى للبرلمان الاسكتلندي. وسوف يعني ذلك إعطاء اسكتلندا هامشاً أوسع من حرية التصرف والتحكّم بنظامها الضريبي، بالإضافة إلى تقديم ضمانة لها بأنها سوف تنعم لأول مرة بشراكة عادلة في العوائد المالية الناتجة عن بيع نفط بحر الشمال. وهذا يعني بكلمة أخرى أن اسكتلندا بدأت تتلقى «عروض الرشاوي» من أجل البقاء ضمن منظومة الاتحاد البريطاني. ورغم ذلك فإنه من الصعب التنبؤ بما سيكون عليه موقف مجلس العموم في حالة فوز المطالبين بالاستقلال. ولاشك أن ذلك سوف يتطلب الدخول في مفاوضات شاقة ومعقدة حول شروط الانفصال. وخلال تلك العملية، لابد أن تكون هناك أصوات قوية، وخاصة من طرف الإنجليز، بأن اسكتلندا سوف تتلقى معونات أقل في كل المجالات، من الرعاية الصحية وحتى التعليم والاتفاقيات الجامعية. كما أن النظام المالي الاسكتلندي سوف يتعرض لضربة موجعة بسبب الهروب المتوقع لرؤوس الأموال، لأن المستثمرين سوف يتملكهم الخوف من الأداء الاقتصادي لدولة اسكتلندا المستقلة ومدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية. من النتائج العاجلة، أن الجنيه الاسترليني سوف يتعرض لضغوط كبيرة لأن المستثمرين سيشعرون بالقلق حول مدى قدرة النظام المالي البريطاني على تحقيق الاستقرار. أما إذا اختارت اسكتلندا البقاء تحت مظلة النظام النقدي البريطاني واحتفظت بعملة الجنيه الاسترليني، فسوف يتوجب عليها دفع نصيبها من المديونية الوطنية. وسوف يمثل ذلك عبئاً ثقيلا عليها لأنها تنفق من الأموال أكثر من إنجلترا وإيرلندا الشمالية. وفيما يتصل بالعلاقات الخارجية، ينتظر أن تكون نتائج وعواقب التصويت بالاستقلال أكثر تعقيداً. فهل ستحتفظ بريطانيا بعد ذلك بموقعها المتميز بين الأمم كعضو دائم في مجلس الأمن، مع العلم بأن معظم أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يتوقفون عن المطالبة بإصلاح تلك المؤسسة؟ وماذا سيكون مستقبل النظام الدفاعي البريطاني النووي الذي يعتمد على غواصة «ترايدنت» النووية التي تتخذ من أحد المرافئ البحرية الاسكتلندية قاعدة لها؟ وهل سيكون لاسكتلندا جيشها وقوتها البحرية والجوية الخاصة بها؟ وكيف سيؤثر استقلال اسكتلندا على الضغوط الإثنية الكبيرة التي تعاني منها دول مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا والصين والعديد من الدول الأخرى بسبب تصاعد وتيرة المطالب الانفصالية والحصول على الاستقلال؟ وهل ستنضم اسكتلندا المستقلة إلى حلف «الناتو» والاتحاد الأوروبي؟ وما هي المطالب التي ستواجه بها لو أرادت الانضمام؟ ولعل الأسئلة الأكثر انطواءً على التعقيد هي تلك التي تتعلق بالتأثير بعيد المدى للتصويت بالإيجاب على المشاعر القومية الكامنة في ضمائر وعقول الإنجليز ورغبة شرائح واسعة من الشعب الإنجليزي بتحجيم العلاقة مع أوروبا والعمل أكثر لتعزيز مبدأ الاستقلال وإعادة النظر في طبيعة العضوية داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو». وهناك مشاعر انفصالية مشابهة تتأجج في بعض دول الاتحاد الأوروبي التي لا تنظر بعين الرضى للوحدة مع الأوروبيين. ولا زالت حزمة التساؤلات المتعلقة بنتائج التصويت بالإيجاب على انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة تزداد تشعباً، وهي تتضمن أيضاً السؤال الذي لا يجوز إسقاطه من الحساب حول ما إذا كانت الملكة إليزابيث الثانية ستحتفظ بمنصبها الشرفي باعتبارها الحاكم الأعلى لدولة اسكتلندا المستقلة. ومع اقتراب لحظة الحسم، في 18 سبتمبر الجاري، فإن مما لا شك فيه أن فصول هذا المشهد الدرامي ستزداد إثارة وقوّة، وستكون هناك الكثير جداً من الأمور المثيرة للجدل والنقاش حول الموضوع.