تحتل إيران موقعاً وسطاً بين مشرق العالم الإسلامي الذي يمتد عبر أفغانستان وباكستان وحتى ماليزيا وإندونيسيا.. ومغرب العالم الإسلامي الذي يمتد عبر العراق وسوريا حتى الجزائر والمغرب. كما أنها تقع على الحدود مع العالم الإسلامي الذي يمتد شمالاً نحو آسيا الوسطى عبر طاجكستان وأذربيجان حتى أوزبكستان وكازاخستان. وتتميز إيران أيضاً إلى جانب الموقع الجغرافي المهم بإمكانات بشرية واقتصادية كبيرة. ولذلك تمكنت من أن تلعب دوراً مهماً في تاريخ العلاقات بين الشرق والغرب منذ ما قبل الإسلام وبعده. ومن الاعتقادات الراسخة في العقيدة السياسية الأميركية أن ظاهرة الإرهاب التي ضربت الولايات المتحدة في 11 سبتمبر 2001 هي ظاهرة إسلامية مرتكبوها من السُّنة. وأن هذه الظاهرة ذاتها هي التي ضربت بعد ذلك العديد من الدول الأوروبية وغير الأوروبية من إسبانيا حتى ألمانيا. وهذا يعني -بموجب هذه الاعتقادات- أن إيران ليست فقط خارج دائرة الظاهرة الإرهابية، بل إنها يمكن أن تشكل قبضة فولاذية لضرب هذه الظاهرة انطلاقاً من الاختلاف المذهبي الذي يميزها عن أكثرية العالم الإسلامي شرقاً وغرباً. غير أن استخدام هذه القبضة يحتاج إلى تبرير. والمبرر الوحيد الفعال، هو شق الصف الإسلامي بين السنة والشيعة، وتحريض الدول الإسلامية بعضها ضد بعض على خلفية مذهبية. وإذا نجح هذا العمل من شأنه أن يؤدي إلى مجموعة من النتائج المهمة: أولاً: تحويل اهتمامات وصراعات حركات التطرف الديني إلى الداخل الإسلامي، مما يصرف هذه الحركات عن الخارج غير الإسلامي الذي كان مسرحاً لعملياتها الانتقامية ويبعدها عنه. ثانياً: نقل مركزية الصراع وتغيير طبيعته من صراع عربي- إسرائيلي (أو إسلامي- صهيوني) إلى صراع عربي- عربي، وعربي- إيراني. ومن شأن ذلك أن يوفر مظلة أمن واستقرار لإسرائيل. ثالثاً: توظيف التغيير في طبيعة الصراع بما يوفر قوة اندفاع جديدة لمشروع إعادة النظر في الخريطة السياسية للمنطقة الممتدة من باكستان حتى المغرب بحيث يكون لكل جماعة دينية ومذهبية وعنصرية كيان سياسي خاص بها. ومن شأن ذلك أن يدفع شعوب هذه المنطقة إلى «حرب المئة عام» حول الحدود السياسية والثروات الطبيعية والمصالح القومية. ومن شأن ذلك أيضاً أن يحقق لإسرائيل الأمن الاستراتيجي الذي يجعلها الدولة الأقوى والمهيمنة دون منازع على المنطقة كلها وإلى أمد بعيد. فبعد التقسيم الفعلي للسودان إلى دولتين على أساس عنصري- ديني، يدفع الآن العراق دفعاً نحو التقسيم على أساس عنصري ومذهبي. غير أن المدخل العريض إلى هذا المشروع القديم- الجديد هو توريط إيران والعالم العربي في فخ الصراع المذهبي انطلاقاً من العراق. ولم تكن إدارة بوش غبية أو قصيرة النظر عندما سلمت العراق إلى إيران لقمة سائغة بعد انسحابها منه. ولن تكون إدارة أوباما غبية أو قصيرة النظر عندما تسلم أفغانستان لإيران ايضاً بعد انسحابها منها في العام التالي 2015. فالدول، وخاصة الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة، تتصرف على أساس رؤى ومخططات طويلة المدى. وهي تعرف ماذا تريد وكيف تحقق ما تريد.. وعندما تفشل فإن الآخرين هم الذين يدفعون الثمن. لقد تعرض الرئيس أوباما إلى انتقادات حادة بسبب طول أناته في التفاوض مع إيران حول ملفها النووي. ولم يسلم من هذه الانتقادات -الحادة- حتى من حلفائه بمن فيهم إسرائيل. ولكن الواقع أن الإنجاز الوحيد الذي حققه أوباما في السياسة الخارجية حتى الآن هو التفاهم مع إيران. وإذا اكتمل هذا التفاهم كما بات واضحاً، خلال الأشهر القليلة القادمة، فإن المنطقة العربية، بل العالم الإسلامي كله، يدخل في مرحلة جديدة. ومن إرهاصات هذه المرحلة الجديدة ارتفاع حدة الصراعات المذهبية والطائفية والعنصرية، وبروز حركات سياسية مسلحة تتجلبب بالدين لتبرير هذه الصراعات ودفعها نحو المخطط البعيد المدى المرسوم لها. كان يمكن أن يعطل -أو على الأقل يعرقل- هذا التوجه، التنافس الأميركي- الروسي، كما حدث مراراً في السابق. ولكن روسيا عانت هي أيضاً -كالولايات المتحدة- من الإرهاب على يد من تعتبرهم مسلمين سنة في القوقاز عامة وفي الشيشان خاصة. ولذلك فليست لها مصلحة في تعطيل المشروع الأميركي الذي يستهدف المنطقة، إذا ما حصلت على حصتها منه في إيران تحديداً، وعبر إيران إلى المياه الدافئة. لقد كانت إيران نقطة تجاذب -وتصارع- بين الاتحاد السوفييتي السابق من جهة، والولايات المتحدة وبريطانيا من جهة ثانية. وهي لا تزال حتى اليوم. وعندما دبرت المخابرات البريطانية الانقلاب على محمد مصدق في عام 1953، كانت الولايات المتحدة شريكاً في الانقلاب الذي أطاح به وأعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى العرش إمبراطوراً مطلق الصلاحية.. ولكن تحت إمرة المخابرات الأميركية- البريطانية. وكان الاتحاد السوفييتي يومها مؤيداً لمصدق ولحركته التحررية التي تمثلت في تأميم شركة النفط البريطانية، ولذلك اعتبرت موسكو في ذلك الوقت سقوطه -أو إسقاطه- انتهاكاً لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة. إلا أن التفاهم الأميركي- البريطاني كان هو الأقوى. فالولايات المتحدة تمكنت من أن تدخل إلى الخليج العربي من البوابة الإيرانية، فأقصت بذلك الطموحات السوفييتية من جهة، وأمركت معظم المصالح البريطانية من جهة ثانية. ولا يزال كثير من الأسرار المتعلقة بالانقلاب الأميركي- البريطاني على محمد مصدق مخفياً حتى الآن على رغم مرور أكثر من ستة عقود على الانقلاب، وذلك خلافاً للقانون الذي يسمح بالكشف عن الوثائق السياسية بعد مرور نصف قرن على الأكثر. ومن المقرر أن تصدر دفعة جديدة من الوثائق عن عهد الرئيس إيزنهاور، ومنها ما يتعلق بقضية التآمر على مصدق، إلا أن أوباما يصر على تأخير إصدارها حتى لا يعطل كشفها مشروعه الجديد. لم يعد ضرورياً تغيير سياسات الدول بتغيير قياداتها كما حدث في إيران 1953، أو في العديد من الدول الأخرى، من العالم العربي حتى دول أميركا الجنوبية، ولكن هذا التغيير يمكن تحقيقه بصناعة مشاريع جذابة تغري الدولة المعنية بانتهاج السياسة التي تريدها واشنطن.. فتبدو هذه الدولة كالنحلة التي تحط على زهرة لامتصاص رحيقها.. فإذا بالزهرة تطبق عليها وتحولها من آكل إلى مأكول! وكذلك ليس من السهل مقاومة الإغراءات التي تقدمها إدارة أوباما لإيران انطلاقاً من أفغانستان شرقاً ومن العراق غرباً.. إنها إغراءات تستجيب للشهية الإيرانية بتصدير الثورة وبسط نفوذها وسلطتها السياسيتين في هذه المنطقة الواسعة من العالم الإسلامي والعربي. ولكن في الحسابات الأخيرة فإن هذه المكاسب سرعان ما تتحول إلى وهم عندما تحولها الولايات المتحدة إلى أداة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في العالم الإسلامي.. تماماً كما حدث مع الشاه محمد رضا بهلوي عندما جيء به من منفاه ليتبوأ عرش الطاووس على أنقاض حركة محمد مصدق الوطنية. فإذا به يجد نفسه مجرد أداة بيد الولايات المتحدة، بل وحتى بيد جهاز المخابرات «سي.آي.إيه»! لقد تمكنت الولايات المتحدة في «لعبة شيطانية» من توظيف دورها في إسقاط مصدق للتسلل إلى المنطقة التي اضطرت بريطانيا للانسحاب منها منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي. وهكذا خسرت بريطانيا إيران والخليج معاً. ولم تستطع بريطانيا بكل تراثها الاستعماري الطويل أن تنجح في اللعب مع «الشيطان» الأميركي.. فهل تنجح إيران في لعبتها مع هذا الشيطان؟