يواصل الاقتصاد الأميركي أداءه المتواضع تحت خط التوقعات التي تستند إلى إمكاناته الحقيقية والتي تم وضعها عقب نهاية فصول الأزمة المالية التي بدأت عام 2007. وتم تسجيل هبوط طفيف في الناتج المحلي الإجمالي حتى بلغ الآن أكثر بقليل من 1.5 تريليون دولار أو ما يعادل 20 ألف دولار لكل عائلة يبلغ تعداد أفرادها 4 في المتوسط. وكان مما يثير القلق أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي السنوي أقل من 2% منذ نهاية تلك الأزمة، وبما أدى إلى تراجع المردود الاقتصادي العام أكثر من مؤشر التوقعات المبنية على أساس القوة الفعلية للاقتصاد الأميركي. وقبل نحو عام، عمدت إلى الاستشهاد بمفهوم «الركود العام» لأصل منه إلى الحقيقة التي تفيد بأن دورة العمل لم تكن في الحالة التي توحي بعودة قطاع الأعمال والتجارة إلى ما كان يُعتقد أنه يمثل المستويات الاعتيادية للمردود الاقتصادي العام. وأرى أن «الركود العام» يوحي بمدى الصعوبات الكامنة في الاستجابة للطلب الاقتصادي الكافي من أجل بلوغ المستويات الاعتيادية من المردود. ولو نظرنا إلى النزعة القوية للتوفير، والنزعة الضعيفة للاستثمار، ومعدل التضخم المنخفض.. والتي سادت تلك الفترة، فسنستنتج من ذلك أنه كان في حكم المستحيل خفض أسعار الفائدة إلى الحد الكافي لدفع الاقتصاد نحو مستويات مردوده الحقيقية. وذلك لأن الأسعار الاسمية للفائدة لا يمكن تخفيضها إلى ما دون الصفر. وبأخذ العوامل المختلفة بعين الاعتبار، مثل: تفاقم ظاهرة عدم التكافؤ في جني العوائد بين المستثمرين، وانخفاض تكاليف رأس المال اللازم للدخول في عمل منتج، وتباطؤ معدل النمو السكاني، وزيادة الاحتياطيات المالية الأجنبية، وزيادة الفروق بين تكاليف الاقتراض والاقتراض.. يبدو لي أن من غير المحتمل أن يتمكن اقتصاد الولايات المتحدة من تحقيق الزيادة المستهدفة في المردود والبالغة 10 بالمئة. وهناك العديد من الصعوبات التي تقف حائلا دون بلوغ المستويات المستهدفة. وكما سبق لي أن أكدت سابقاً فإن الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة لا يزال أخفض بكثير من التوقعات التي سبقت الأزمة المالية الأخيرة، إلا أن معدل البطالة الذي انخفض الآن إلى 6.1 بالمئة، قلب الموازين من جديد إلى توقعات متفائلة توافق المستويات المعتادة والمنتظرة. وبمعنى آخر، وبالرغم من أن معدل النمو الاقتصادي لا يزال ضعيفاً، فإن الطلب على العمالة يزداد بالسرعة الكافية لتحقيق انفراجة كبيرة في سوق العمل. ويرى بعض الخبراء أن النمو الاقتصادي الضعيف المترافق مع انخفاض محسوس في معدل البطالة يعد مؤشراً على تباطؤ كبير في المردود الاقتصادي العام. وبأخذ أرقام العمالة الضعيفة نسبياً ليوم الجمعة الماضي، يتبيّن أن النمو الشهري في عدد مناصب العمل بلغ في المتوسط 225 ألفاً منذ شهر فبراير. وإذا ما تواصل هذا النمو، فما الذي سيحدث لظاهرة البطالة؟ هذا يعتمد بالطبع على ما يمكن أن يحدث لمشاركة القوة العاملة ذاتها التي شهدت حالة من الهبوط خلال السنوات الماضية بسبب ارتفاع المعدل العمري للسكان بالإضافة لبعض الأسباب الأخرى. ومن أجل تبسيط هذه الفكرة وتقريبها أكثر من الأذهان، دعونا نفترض أن معدل مشاركة القوة العاملة في العمل والإنتاج بقي ثابتاً (وهو افتراض متفائل)، وأن الاقتصاد بقي محافظاً على تأمين 200 ألف منصب عمل شهرياًٍ. وهنا فإن حسابات بسيطة تبين بأن معدل البطالة يمكن أن ينخفض إلى 4 بالمئة بحلول عام 2016. وعلى ما يبدو فإن مثل هذا المعدل المنخفض للبطالة يمكن تحقيقه بالفعل، إذ من المرجح أكثر أن يتباطأ نمو التوظيف إلى درجة معينة، إما لأن أرباب العمل يمكن أن يواجهوا صعوبات في العثور على العمال الأكفاء، أو بسبب ارتفاع الأجور، أو بسبب السياسات والقرارات الحكومية غير المتوقعة. وفي كل واحدة من هذه الحالات، سوف لن يعزى تراجع الاقتصاد إلى انخفاض الطلب على العمالة، بل إلى القصور في الإمداد بالقوى العاملة. والسؤال الذي يجدر طرحه هنا: ما الذي يؤدي إلى هذا التراجع في القدرة على الإمداد بالأيدي العاملة؟ لاشك أن هذا الأمر سيبقى موضع جدل خلال السنوات المقبلة. إلا أن جزءاً من الإجابة يكمن في التأثيرات السلبية للضعف الاقتصادي المسجل خلال السنوات السابقة. وجزء آخر منها يتعلق ببعض الحقائق الديموغرافية المؤسفة للأميركيين الذين يتجهون نحو تشكيل «مجتمع عجوز». وأيضاً بسبب ظاهرة التراجع المتواصل عن إشراك القوة العاملة النسائية في مواقع العمل والإنتاج، بالإضافة إلى استنزاف العوائد التي يمكن جنيها من توظيف القوة العاملة ذات مستويات التعليم المرتفعة والأجور الباهظة. ويكمن جزء آخر من الجواب في التباطؤ الظاهري لنمو الإنتاجية. وحتى نتمكن من تحقيق معدل نمو يبلغ 2% سنوياً خلال العقد المقبل، سيكون من الضروري تشجيع الطلب النشط على العمالة. وهذا المطلب ضروري إلا أنه غير كافٍ. ففي الولايات المتحدة، كما هو الحال في دول الاتحاد الأوروبي واليابان، يكون إصلاح المنظومة التركيبية للعمالة أمراً أساسياً وبالغ الأهمية. وينبغي أن تستهدف عملية الإصلاح هذه كلا من زيادة إنتاجية العمال، وزيادة عدد الراغبين بالعمل في إنتاجية مرتفعة. كما سيكون من الأهمية بمكان تحقيق العوامل التالية: الاستثمار في البنى التحتية، وابتداع السياسات الهادفة إلى توثيق العلاقة بين العائلة ومواقع العمل والإنتاج، وتطوير مصادر الطاقة، وإصلاح وتطوير النظام الضريبي. ـ ـ ــ ــ ـ لورنس سامرز أستاذ محاضر ورئيس سابق لجامعة هارفارد ووزير الخزانة الأميركي الأسبق ـ ـ ـ ــ ـ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»