«لا تأخذوا المحاضرة بجدية كثيرة، استرخوا فحسب وتمتعوا بها، فأنا سأحدثكم كيف يبدو تصرف الطبيعة. ولو اعترفتم بأنها قد تتصرف كذلك، فستجدونها مُبهجة، وشيئاً خلاباً. لا تستمروا بالتساؤل: لكن كيف يمكن أن تكون كذلك؟ لأنكم ستجدون أنفسكم في طريق مغلق لم يخرج منه أحدٌ بعد. فلا أحد يعرف كيف يمكن أن تكون كذلك». هكذا استهلّ أحد أشهر علماء الفيزياء الأميركيين في القرن الماضي، وهو ريتشارد فاينمان، محاضرته عن فيزياء «الكوانتوم»، وتوقع أن تنتج عنها في مستقبل بعيد «تكنولوجيا النانو». والمستقبل البعيد قريب لعالم فلسطيني وأبنائه الثلاثة المختصين بـ«النانو» التي تُغِّير أهم ما يصنعه العالَمُ اليوم، وما لم يصنعه بعدُ، بما في ذلك وقود سيارات مصنوع من الماء بواسطة الطاقة الشمسية، وفحوص طبية يمكن إجراؤها بالآلاف بفحص بضع قطرات دم خلال بضع دقائق، وأدوية «ذكية» لعلاج السرطان، تبحث عن الخلايا المصابة وتقتلها ولا تخلف -كالأدوية الحالية- آثاراً أشد من المرض، وعلاجات تجعل المشلول يمشي، والأعمى يُبصر، وإنشاء مصعد «نانوي» فضائي يمتد من الأرض إلى الكون. وهذا بعض ما تفعله «النانو»، حسب الكاتب والعالم الأميركي ستيفن إدواردز في كتابه «رواد تكنولوجيا النانو». وبين الرواد الذين يعرض الكتاب مُنجَزَهم العالم الفلسطيني منير نايفة، أستاذ الفيزياء في جامعة «إيلينوي»، الذي صنع ما يُسمى «نقاط كوانتومية» تتكون من 29 ذرة سليكون، تُقاس بالنانو. و«النانو» وحدة قياس تعادل واحد من ألف من المايكرون، والمايكرون واحد من المليون من المتر، وسماكة شعر الرأس على سبيل المثال أقل من 100 ألف نانو. واشتهر نايفة بتحريك الذرات المنفردة واستخدامها لرسم قلب وداخله حرف P الإنجليزي، ويرمز حسب المجلة العلمية «نيوساينتست» التي نشرت الرسم على غلافها إلى أول حرف لكلمة فيزياء، وعندما قال نايفة إنه الحرف الأول لكلمة «فلسطين» بالإنجليزية وَلْوَلَ علماء عربٌ : «راحت عليك جائزة نوبل يا ابن نايفة»! ولا يروح شيء على ابن نايفة، ولا على فلسطين، وكلاهما، كأي شيء حقيقي في الكون مصنوع من «النانو»، لكنها «نانو» تعقل نفسها وتستثمرها بضراوة، وهذا ما يجعل العالِمَ كبلده ظاهرة فريدة في ابتكار وسائل البقاء والإبداع. فهو ليس عالِماً وأستاذ فيزياء فحسب، بل مؤسس منظمات علمية دولية، بينها «شبكة العلماء والتكنولوجيين العرب في الخارج»، ورجل أعمال أيضاً، أنشأ شركات علمية، بينها «نانو سي»، المختصة بالطاقة. وهو من رواد الدبلوماسية العلمية التي تنظم مؤتمرات دولية، وتقيم مشاريع علمية عابرة للحدود، وتجتذب موارد وكفاءات لعقد برامج بحث وتطوير بين جامعات ومؤسسات في دول مختلفة. ومع «نايفة» يعود للحياة «النانو» العربي، الذي يقول عنه موقع «نانو» الحكومة الأميركية على الإنترنت ما قد يثير هزءنا لو قاله موقع الحكومة العراقية أو السورية. يذكر الموقع الأميركي أن العراقيين في العصر العباسي في القرن التاسع ميلادي كانوا يحوّلون الأواني الخزفية إلى «نانوية» عن طريق تزجيجها بمعادن عدة، بينها النحاس والفضة، ونماذجها محفوظة في المتحف البريطاني. واشتهر السوريون منذ القرن الرابع عشر ميلادي بصنع سيوف من صفائح فولاذ منخفض الكربون، وعالي الكربون على التناوب، يضم بعضها إلى بعض بطريقة اللحام بالتطريق لإنتاج نصال «نانوية». ذكر ذلك جون فيرهوفن، أستاذ علم المواد في «جامعة آيوا»، وعرض في مجلة «ساينتفيك أميركان» نتائج تجاربه على نماذج أصلية من السيوف الدمشقية المشهورة، وجدها تحتوي على شرائط من «جسيمات كربيد الحديد»، والمعروف باسم «سمنتيت»، ويعود الفضل لها في الوشي المتموج لنصال السيوف الدمشقية، والتي تُرسم بتطريق سطح الفولاذ. وتُظهر صورة مجهرية منشورة في موقع الحكومة الأميركية أنابيب «النانو» الكربونية التي توشي السيوف الدمشقية. وحنين العلماء العرب إلى الماضي حنين لمستقبل يعيدون فيه صياغة العلوم والعلاقات العلمية، فالعالم الفلسطيني واحد من أربعة أبناء علماء أنجبهم المزارع حسن نايفة وزوجته خضرة، النازحين من قرية «شويكة» في فلسطين المحتلة. الابن الأكبر «علي»، الذي شق طريق العلم لأشقائه، أنهى خلال أربع سنوات دراسات بكالوريوس علوم الهندسة في جامعة ستانفورد، وماجستير، ودكتوراه. والشقيق الأوسط عدنان، أصبح أستاذ الهندسة الفضائية في جامعة «سينسيناتي» ورئيس جامعة «الزرقاء» الأردنية، والأصغر «تيسير»، الذي بدا ميئوساً منه خلال سنوات النزوح عبر المدن العربية، شرع فجأة بتحقيق معجزات دراسية، حيث نال البكالوريوس، والماجستير، والدكتوراه بالهندسة الصناعية من «معهد فرجينيا للتكنولوجيا»، وأصبح مدير «مركز الفضاء» في ولاية كليفلاند. وأبناء منير نايفة الثلاثة؛ حسن، دكتور في علوم الكومبيوتر من «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا»، وباحث في المختبر المركزي لشركة «آي بي إم»، وعمّار، دكتور في الهندسة الكهربائية من «جامعة ستانفورد»، وأستاذ «معهد مصدر للعلوم والتقنية» في دولة الإمارات العربية المتحدة، وأسامة دكتور علوم الكومبيوتر من «معهد ماساشوستس للتكنولوجيا»، ومختص بذاكرة «النانو». و«لماذا العلمُ هو الأمرُ بالنسبة لك يا دكتور أسامة نايفة؟»، سأَلَتْهُ مقدمة البرنامج الأميركي «قابِل العلماء» بمناسبة إعلان فوزه في يونيو الماضي على 35 ألف عالِم مرشح لجائزة «مركز أبحاث البحرية» الأميركية. جواب أسامة مباشر وبسيط: «كي نفهم كيف يعمل العالَمُ حولنا». ولكي يفهم العالَمَ، صمَّمَ أسامة معدات ذاكرة «كوانتومية»، ودارة «كيوبيتات» تجعل الحوسبة «الكوانتومية» التي يراهن عليها مستقبل الدول والصناعات العالمية «أكثر قوة وكفاءة بشكل لا سابق له»، حسب مقدمة البرنامج. و«الكوانتوم» تعني «الكم»، وفيزياء «الكوانتوم» تفسر ما تعجز عنه الفيزياء الكلاسيكية، وهو عالَمُ داخل الذرة، المكون من رزم أو «كمّات» جسيمات منفردة من طاقة ذات مواصفات كالموج. وعندما سألته المقدمة عن النفع الأمني لاكتشافه، قال أسامة إنه لا يستطيع الحديث عن ذلك، لأنه ليس عسكرياً، لكنه يتوقع أن ينتج «اكتشافات جديدة قد تغير مستقبل التكنولوجيا». وسألته: ما أهم فوائد زيادة قوة الكومبيوتر؟ فقال: «خطوات التقدم الرئيسية التي حققتها البشرية تعود جزئياً إلى التقدم في قوة الحوسبة». وفي 22 من الشهر الحالي يفتتح نايفة الأبُ ببحثه «تكنولوجيا النانو لحصاد وخزن الطاقة والضوء»، مؤتمر «تكنولوجيا النانو لتطوير أجهزة الطاقة والطاقة الشمسية المتقدمة». يُعقد المؤتمر في العاصمة التركية أنقرة، ويقدم فيه عمّار نايفة بحثاً حول «مفاهيم متقدمة لخلايا كوانتومية شمسية متعددة التكوينات، مع تجربتها ونمذجتها». ويساهم في المؤتمر علماء «النانو» من روسيا، وتايوان، والولايات المتحدة، والأردن، وفلسطين، ودولة الإمارات العربية المتحدة، والسعودية، وتركيا، والكويت، وسنغافورة، وكازاخستان. علماء يستكشفون أعماق الكون، ليس في الفضاء بين الكواكب والمجرات، بل في الكون الأصغر الذي تقاسُ مساحته بـ«النانومتر»، وهو واحد من مليار من المتر. فلسطينُ ترفع راية «النانو» في أنقرة، ولا تسألوا كيف يمكن ذلك، استرخوا فحسب.