تأملت في المقالات التي أكتبها كل أسبوع واكتشفت أنني بعد ثورة 25 يناير توقفت نهائياً عن كتابة المقالات الفكرية التي تعودت على كتابتها في العقود الأخيرة. وكنت في هذه المقالات أحاول أن أشتبك مع الفكر العالمي بصورة نقدية وبتطبيق منهجية التحليل الثقافي، ويشهد على ذلك كتابي "آفاق المعرفة في عصر العولمة" الذي صدر عن الهيئة العامة للكتاب والذي يتضمن عديداً من المقالات التي تحلل الأوضاع السياسية والدولية في العالم المعاصر عموماً وفي العالم العربي خصوصاً. ولكن حين قامت ثورة 25 يناير توقفت نهائياً عن كتابة هذه المقالات الفكرية والتي أصبحت هي إنتاجي العلمي الرئيسي في السنوات الأخيرة وتفرغت للتنظير المباشر لأحداث الثورة كل أسبوع حيث تعقبت تحولات الثورة في صعودها وهبوطها وتعثراتها. قد أكون أطلت في هذه المقدمة لأنني أردت أن أبرر أمام القارئ لماذا توقفت مؤخراً عن كتابة المقالات السياسية المباشرة، وعالجت موضوعات أخرى متفرقة. والسبب في الواقع هو الملل هكذا بكل بساطة! بمعنى أن المشهد السياسي الذي أعقب 30 يونيو وما تلاه من تغييرات جوهرية في بنية النظام السياسي المصري، خصوصاً إصدار دستور جديد وانتخاب "عبد الفتاح السيسي" رئيساً للجمهورية، ساده جمود شديد. ومؤشراته هذه الصفقات العقيمة لما سمى التحالفات السياسية استعداداً للانتخابات البرلمانية القادمة، حيث يسود الجو ضباب كثيف بحيث لا تعرف المؤتلف لماذا ائتلف والمنشق لماذا انشق! لذلك قررت الانصراف عن الكتابة في السياسة مؤقتاً. وأريد اليوم استمراراً في هذا الخط أن أعالج موضوع الإعلام والصحافة القومية. وأبدأ بإعطاء تشخيص دقيق للإعلام الورقي والمرئي. بالنسبة للإعلام الورقي فليس خافياً على أحد أن الصحافة القومية لم تعد هي المسيطرة على السوق، لأن هناك جرائد ومجلات خاصة متعددة صدرت وبعضها يمثل إضافة قيمة للصحافة المصرية، وأصبح لها قراؤها ومتابعوها. في حين أن بعضها الآخر سيطر عليه رأس المال الذي يملي على من يديرون بعض الصحف والمجلات سياستها التحريرية، مما جعل بعض هذه الصحف تمارس الابتزاز جهاراً نهاراً، بل إنها تفننت في اغتيال الشخصيات من دون مراعاة لأبسط قواعد أخلاقيات مهنة الصحافة، ولكن شهوة الانتشار والشهرة والتوزيع جعلت بعض أبناء مهنة الصحافة الرفيعة أسرى هذه الممارسات المتردية. حدث ذلك في الواقع في فترة انزوت فيها الصحافة القومية، التي كانت لعقود تصوغ المزاج العام للجمهور، وتنور القارئ احتراماً لقيم رفيعة آمنت بها وفي مقدمتها الدفاع عن الدولة الوطنية، ومراعاة ثوابت الأمن القومي، والذود عن حقوق الشعب في مجال الحريات والعدالة الاجتماعية، وقبل ذلك كله القيام بدور تنويري بالغ الأهمية يقوم على أساس تدعيم نموذج الدولة المدنية، ونقد نموذج الدولة الدينية. والقيام بنشر الإبداعات المتميزة في الأدب والفن وبكل ألوانه عموماً، خصوصاً الأدب الروائي والقصصي والمسرحي، بالإضافة إلى متابعة الإبداع في مجالات الموسيقى والفنون التشكيلية. اكتشفت فوراً وأنا أسجل هذه السطور أنني أتحدث عن جريدة "الأهرام" في الستينيات! حيث كان يكتب فيها "نجيب محفوظ" و"توفيق الحكيم" والدكتور "حسين فوزي" والدكتور "لويس عوض" والدكتورة "بنت الشاطئ" و"ثروت أباظة"، حيث كان يكتب فيها في مجال السياسة "لطفي الخولي" و"إسماعيل صبري عبد الله" وغيرهم من مفكري اليسار المبدعين! لم تكن "الأهرام" فقط هي التي تسود مجال الصحافة القومية، ولكن كانت هناك أيضاً جريدة "الجمهورية" التي أنشأتها ثورة 23 يوليو وتتابع على رئاسة تحريرها صحفيون كبار، وأصبحت مدرسة مستقلة بذاتها تخرج منها عدد كبير من نوابغ الصحفيين. ولا ننسى في هذا المقال مدرسة "روز اليوسف" العظيمة صاحبة التاريخ العريق في تخريج أنبغ الصحفيين المصريين، ليست المجلة فقط ولكن جريدة "روز اليوسف" اليومية التي أسسها الراحل "عبد الله كمال" وكانت إضافة حقيقية للدار، وهل يمكن أن ننسى "دار الهلال" التي تصدر مجلة "المصور" والتي رأس تحريرها عدد من كبار الصحفيين والمثقفين، بالإضافة إلى مجلة "الهلال" التي استطاع عدد من رؤساء التحرير الشباب الذين تولوا رئاسة تحريرها في السنوات الأخيرة تجديد شبابها الفكري. هذه لوحة خاطفة للصحافة القومية في عزّ ازدهارها في الستينيات والتي كانت رائدة صحافة الوطن العربي كله. ولكن مع مضي السنوات - خصوصاً في عهد الرئيس السابق "مبارك"- دخل الفساد بكل جرائمه دور الصحافة القومية، وأهدرت أموال أغنى المؤسسات الصحفية وهي "الأهرام" وتدهورت أحوال التحرير، حيث أصبح يعين رئيساً للتحرير عدد من الشخصيات الصحفية التي تفتقر إلى الكفاءة المهنية اللازمة. وواجهت المؤسسات الصحفية القومية أزمات مالية ضخمة، وتراكمت عليها ديون نقدية بملايين الجنيهات، نتيجة أولاً الفساد وثانياً سوء الإدارة وثالثاً تدهور المستوى التحريري. وها نحن اليوم في غمار معركة تجديد شباب الصحافة القومية، وهى معركة حقاً لأنها تتعلق بحسن اختيار رؤساء مجلس الإدارة ورؤساء التحرير بناء على معايير رفيعة. هذه هي الخطوة الأولى الحاسمة. ولو تحدثت عن جريدة "الأهرام" كدراسة حالة case study بحكم علاقتي بها منذ عام 1968 تاريخ التحاقي كخبير استراتيجي منتدب بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، ثم مديراً للمركز منذ عام 1975 حتى عام 1995 وبعد ذلك مستشاراً له- لقلت بحكم أنني عشت سنوات الازدهار وسنوات الهبوط أن "الأهرام اليوم" ابتدأ يسترد عافيته المؤسسية والصحفية -إن صح التعبير- وذلك في ظل رئيس لمجلس الإدارة استطاع أن يشن حرباً شاملة على الفساد في المؤسسة، ويسترد جزءاً كبيراً من ديونها المعدومة، ويدفع مئات الملايين من الجنيهات من ديونها، وأهم من ذلك تطبيق سياسة منهجية لترشيد الإنفاق وفتح مجالات استثمار جديدة أمام المؤسسة. ويرافق ذلك رئيس تحرير يتمتع بالكفاءة المهنية العالية التي جعلته يوفق في أن يعود إلى "الأهرام" ألقها القديم في الستينيات، برفع المستوى التحريري واكتتاب عدد من كبار الكتاب والتركيز على الدور التنويري للأهرام. ولعل النموذج البارز لذلك المقالات المهمة التي تنشر للصديق المفكر اللبناني المرموق "كريم مروة" عن "رواد التنوير" والتي ستصبح- حين جمعها في كتاب- مرجعاً مهماً للأجيال العربية الشابة من شأنه أن يشحذ ذاكرتهم التاريخية. ناهيك عن عودة صفحة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الذي أنشأه بخيال علمي رفيع الأستاذ "محمد حسنين هيكل"، والذي أصبح مع الزمن أهم مركز استراتيجي عربي، خصوصاً حين أصدرنا فيه التقرير الاستراتيجي العربي منذ عام 1978 والذي أصبح أهم تقرير استراتيجي عربي وعالمي. غير أن جهود مؤسسات الصحافة القومية في إصلاح هياكلها تحتاج إلى دعم من قبل الدولة، وربما كان تشكيل لجنة مشتركة من رؤساء مجالس المؤسسات القومية ونقابة الصحفيين وممثلين عن الحكومة، هو السبيل الأمثل لإنهاض المؤسسات القومية من كبوتها، فهي تمثل الأمل في نهضة صحفية وطنية لا تخضع لأهواء رأس المال ولا تقع أسرى الضغوط الخارجية.