صدر منتصف الأسبوع الماضي تقرير عن منظمة الصحة العالمية، قدرت فيه عدد من يلقون حتفهم منتحرين بأكثر من 800 ألف شخص سنوياً، وبمعدل حالة انتحار كل 40 ثانية. ويأتي هذا التقرير، الأول من نوعه، والذي حمل عنوان (منع الانتحار: ضرورة عالمية)، قبل أسبوع واحد من اليوم العالمي لمنع الانتحار (World Suicide Prevention Day)، والذي يحل كل عام في العاشر من سبتمبر. وتهدف الفعاليات التي تقام خلال هذا اليوم، إلى بيان حجم مشكلة الانتحار من المنظور الدولي، وتوضيح الأسباب التي تؤدي بمئات الآلاف إلى إنهاء حياتهم كل عام، وضرورة الاهتمام بالأمراض العقلية والاضطرابات النفسية، أو مجال الصحة العقلية، ضمن منظومة الرعاية الصحية الشاملة، مع التركيز على أهمية تنظيم وتفعيل الاستراتيجيات الوطنية والدولية الكفيلة بمنع الكثيرين من الانتحار، أو على الأقل خفض أعدادهم بشكل ملحوظ. حيث يتضح من التقديرات التي تضمنها تقرير منظمة الصحة العالمية، أن الانتحار أصبح قضية صحية دولية بكل المقاييس، وخصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار البيانات –وأحياناً المفارقات- الديموغرافية للانتحار، على صعيد التوزيع بين الدول، والتباين بين الجنسين، وخصوصية الفئات العمرية الأكثر عرضة للانتحار، ودور المعتقدات الدينية في الحد من عدد ضحاياه. فعلى سبيل المثال، تقع 75 بالمئة من حالات الانتحار، أو ما يعادل 600 ألف حالة سنوياً، بين شعوب الدول متوسطة الدخل، والفقيرة. وهو ما يمكن تفسيره على أنه نتاج الفقر المدقع والعوز، وتكالب الأزمات المالية الحادة التي قد تعصف ببعض الأفراد، وأحياناً بأسر بكاملها، دون أن يكون هناك شبكة أمان متمثلة في نظام ضمان اجتماعي وطني، كما هو الحال في الغالبية العظمى من الدول الصناعية والغنية. أضف إلى ذلك عدم كفاءة نظم الرعاية الصحية، وضعف قدراتها على التعامل مع الأمراض المزمنة، والإعاقات الشديدة، والأمراض الخطيرة، وهو ما قد يدفع الكثير من المرضى لإنهاء حياتهم تجنباً لرحلة ألم طويلة، نهايتها الحتمية الموت. وفي السنوات والعقود الأخيرة، جاء التطور النسبي لاقتصاديات بعض تلك الدول مصحوباً بتراجع التواصل الاجتماعي، وتدهور الترابط الأسري، مما جعل الكثير من العجائز والمسنين، يقضون سنوات خريف العمر في وحدة وعزلة، بعد أن كرسوا جل حياتهم في تربية وتنشئة أبناء، أخذتهم مشاغل الحياة الحديثة، وطموحاتهم المادية الاستهلاكية بعيد عن ذويهم. وهو ما يفسر حقيقة أن العجائز والمسنين في الدول متوسطة الدخل والفقيرة –وخصوصا من النساء- يعانون من معدلات أعلى من الانتحار، مقارنة بأقرانهم في الدول الغنية. ولذا نجد أن نساء تلك الدول، اللاتي تخطين سن السبعين، ينتحرن بمعدلات أكثر من ضعف معدلات الانتحار بين من هن بين سن الخامسة عشر والتاسعة والعشرين في نفس تلك الدول. ويأخذ هذا التباين الديموغرافي أكثر صوره حدة، في منطقة جنوب شرق آسيا، والتي تقع بها الغالبية العظمى من حالات الانتحار، وخصوصاً الهند والتي تحتل رأس القائمة الدولية على صعيد عدد حالات الانتحار السنوية، يليها في ذلك الصين والتي تحتل المرتبة الثانية دولياً. وإنْ كان من الخطأ الاعتقاد بأن ضحايا الانتحار هم غالباً من العجائز والمسنين، في ظل حقيقة أن الوفاة بسبب الانتحار، تحتل المرتبة الثانية على مستوى العالم، في قائمة أسباب الوفيات بين الشباب، أو بين سن 15 وسن 29. ومن الخطأ أيضاً، الاعتقاد بأن مشكلة الانتحار مقصورة في الغالب على الدول النامية والفقيرة، بناء على أن الاحصائيات تظهر أن معدلات الانتحار بين شعوب الدول الأوربية، يزيد عن المتوسط العالمي الحالي للانتحار، والبالغ 11.4 لكل 100 ألف من السكان، كما أن 6 دول أوروبية تقع بين أول عشرين دولة حول العالم على صعيد عدد حالات الانتحار بين السكان. فعلى سبيل المثال، تحتل "ليتوانيا" –إحدى دول الاتحاد الأوربي- المركز الخامس بين دول العالم على صعيد معدلات الانتحار، بينما تتمتع "كازاخستان" والتي تدرج ضمن دول المنطقة الأوروبية حسب تقسيم منظمة الصحة العالمية لمناطق العالم، بالمركز العاشر. ومما يثير قلق الخبراء والمختصين بوجه خاص في تلك الدول، حقيقة أن الانتحار هو السبب الرئيسي للوفاة بين طائفة الشباب. ولا تقتصر معدلات الانتحار المرتفعة على الدول الأوربية الغنية، بل تمتد أيضاً إلى بقية دول العالم التي حققت نجاحات اقتصادية مذهلة خلال العقود القليلة الماضية، مثل كوريا الجنوبية، والتي تحتل المركز الثالث على صعيد معدلات الانتحار الدولية. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن معدلات الانتحار تبلغ أدنى مستوياتها بين دول أميركا الجنوبية، ومنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، والتي تشمل غالبية الدول العربية والإسلامية، حسب تقسيم منظمة الصحة العالمية لمناطق العالم. ويعزى السبب في ذلك إلى أهمية العقيدة الاسلامية بين شعوب هذه المنطقة، والتي تُحرّم الانتحار لقول الله تعالى في القرآن الكريم: "... وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً" (النساء:29)، فالنفس ملك لله وليس لأحد أن يقتل نفسه، حتى ولو زعم أن ذلك في سبيل الله. د. أكمل عبد الحكيم